شبكة النجاح الإعلامية - منال الزعبي - النجاح - في الوقت الذي يعجز فيه الأصحاء عن تحقيق أحلامهم أو حتى رسمها، عثر محمود وهو على كرسيه المتحرك على السرّ الذي يجعل الإنسان ناجحًا ومميزًا، التفكير.. فحين تفكر بطريقة إيجابية مختلفة مجردة من كل ما هو سلبي، تستطيع أن تحرر الطاقة الكامنة فيك.

أصاب العجز قدميه، لكّنه لا يزال يتمتع بجسد سليم ويدين قويتين وحسٍ مرهف بل عينين تصطادان الجمال وتعرفان مكامنه.
محمود أبو دغش (29) عامًا من طولكرم، رأى نفسه ملكًا بما وهبه الله إياه من قدرات فنيّة عالية، فأسس مملكة الفن، مملكة تدخلها فتأسرك الألوان، وتدخلك كلّ لوحة فيها عالمًا خاصًا مختلفًا ابتدعه محمود بيده وألوانه.

 ما الذي جعلك تقرر أن تكون صاحب هذه المملكة؟

أجاب محمود بأنَّه تعهد أن يكتب يومًا نجاحه على جبين الحياة وهي التي حاولت مرارًا وتكرارًا أن تسرق منه شغفه وحبّه وأحلامه وعطاءه وحتى أمله، ولكنّها لم تتمكن أمام إصراره وتمسكه!
وروى محمود لـ"النجاح" ظروف إعاقته، حيث ولد مصابًا بمرض هشاشة العظام، وعانى اعوجاجًا في العظم وقصرًا في رجله اليمنى، حالة تستدعي الكثير من الحذر كي لا يقع الطفل ويتعرض للكسور، إلا أنّ محمود ذاق مرار الكسور في رجليه لِ (37) مرة وخضع لـ (14) عملية فيهما، آخرها قبل تسعة شهور.
يقول محمود: "دخلت المدرسة على رجلين كباقي الأطفال إلا أنَّ الكسور كانت تحول دون مواصلة السنة الدراسية بشكل منتظم إذ كنت أضطر إلى الغياب (70) يومًا على أقل تقدير، إلا أنني تحديت وواصلت.
 كل ما حولي كان محفزًا المدرسة، المعلمون، الزملاء، الأهل، في الصف العاشر لم أعد استطيع المشي وعدت إلى المدرسة على هذا الكرسي الذي يرافقني حتى اليوم.
أنهى محمود الثانوية العامة الفرع التجاري، والتحق بجامعة خضوري ودرس تخصص إدارة وأتمتة مكاتب، وسريعًا أنهى تعليمه وتفوق في الشامل بتقدير ممتاز.
وتحدث بابتسامة غامرة عن مساندة ومساعدة الأهل ودعمهم طيلة هذه الفترة خاصة والدته التي مدت له يد العون ودموع العين ودعوات التوفيق.
أوضح محمود أن موهبة الرسم كانت منذ الصغر ترافق ساعات فراغه وتؤنس وحدته، إلا أنها لم تبرز بشكل ملحوظ في فترة الدراسة، قال: "كنت مميزًا بالرسم، لكن لم يكن هناك معلم فن، بعد الجامعة قررت أن أشارك الأصدقاء رسوماتي التي نشرتها عبر صفحتي على الفيس بوك، نثرت صورًا قديمة من دفاتر المدرسة، لكنّني تفاجأت بحجم الإعجابات والأسئلة من الناس، فقررت احتراف الرسم".

وهكذا بدأت الموهبة تنمو كطفل يتعهده والداه، أكمل محمود: "بحثتُ كثيرًا عن رسام يعلمني، لم أجد، فلجأت للإنترنت، كل يوم أرسم لوحة أو اثنتين وأنشر صورهما، يزيد الدعم والإعجاب ويزيد طموحي إلى تطوير نفسي، وأبحث عن الأدوات التي يستخدمها الفنانون الذين أشاهدهم على اليوتيوب والتي لم أعثر عليها في المكتبات فاستوردتها من خلال الإنترنت،  وبدأت الرحلة".


إذن هو ابن الحياة، ولد من رحم الإبداع رسم الكوفية والنكبة وجسّد الفلسطيني بكل ملامحه وتفاصيله، صوّر الأسير خلف القضبان وتحت الأنفاق، كلمّا أضعفته الحياة كان يهدهد على روحه بعبارة "سيمر كل مر".
تركزت رسوماته على العيون التي ترى ما هو أبعد من الواقع واليد التي بالريشة والقلم ترصد أدق التفاصيل وتصل إلى أعمق الأبعاد، نطقت رسوماته بفلسطينيته وكأنها هويّة أخرى بالفحم والرصاص والألوان الزيتية والخشبية رصد كلّ ما استشعر من مشاهد آثارت شجنه أو إعجابه.
شارك في المعارض العامة وأقام معارض شخصية، وتعلم السواقة واشترى سيارته الخاصة، وأرجع الفضل من بعد الله إلى الإرادة والموهبة: " الفن بفضل الله غيّر حياتي من شخص عادي يبحث عن عمل، إلى شخص خلق فرصة عمل لنفسه ولغيره".
لم يكتفِ محمود وأراد أن تعمم موهبته، فبدأ يزرعها في كل طالب يأتيه ناشدًا علم الرسم بأنواعه، فعقد الدورات وعلّم الأساسيات حتى الاحتراف ليتخرّج على يده زمرة من الفنانين كبارًا وصغارًا يصورون أحلامهم وأحباءهم وذكرياتهم.

وبفكره المستنير وسّع محمود دائرة مشروعه في مملكته، فجعل قسمًا منها مكتبة يوفر فيها كل ما يحتاجه الطلاب من مواد للرسم.
مشروع بات يدر الرزق الوفير على محمود الذي لم يأل جهدًا في سبيل تحقيق أحلامه حتى نالها، لكنّه لا يزال يحلم بالوصول إلى العالمية، وأن يكبر مشروعه ويتطوّر وأن يصبح اسمه وسمًا عالميًا وأن يفتتح مركزًا أو أكاديمية لتعليم الفن ليخلق فرص عمل للطلاب والموهوبين.
وجّه رسالة إلى الشباب مفادها أنّ لكل مجتهد نصيب، "اسعوا ولا تنتظروا العطاء من أحد، كونوا لأنفسكم كلّ شيء، ابحثوا عن هواياتكم وأسرار الله فيكم، وحين تصلون ستجدون كل الناس حولكم".

أليكم بعض رسومات وإبداعات محمود: 

May be an image of 2 people and text

May be art of 5 people, child and people standing

May be an image of 3 people, child, people standing and indoor

May be art of one or more people, people standing and outdoors

 

 

May be art of ‎6 people and ‎text that says '‎بالفحم بالألوان الخشبيه ghash @Mahmoudabuda بالر بالرصاص بالألوان الزيتية‎'‎‎