نابلس - ميساء أبو العوف - النجاح - تشهد الساحة الأمريكية حالة من التنافس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي للفوز بالانتخابات الأمريكية المقررة الشهر القادم، ممثلة بالرئيس الحالي دونالد ترامب الجمهوري، وجو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي، وسط تطلعات من استطلاعات الرأي بسقوط ترامب الذي اتخذ خطوات أربكت الشرق الأوسط عامة، والقضية الفلسطينية خاصة بانحيازه للاحتلال الإسرائيلي، على صعيد السياسة الخارجية، بينما فشل ترامب في سياسته الداخلية بحل أزمة جائحة كورونا، وخروج التظاهرات في الشوارع الأمريكية ضد سياسة التمييز العنصري بين البيض والسود، في وقت أعلن فيه منافسه بايدن عن مواقف مخالفة لما اتخذه ترامب على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وأمام التنافس الكبير بين المرشحين ترامب وبايدن فلكل منهما فرص للفوز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ستجعل الناخب الأمريكي يرجح أحدهما على الآخر.

فرص ترامب وبايدن في الانتخابات

المختص بالشأن الأمريكي د. وليد المدلل رأى أنه من الصعب التكهن في الوقت الحالي، بنتائج الانتخابات الأمريكية، وترجيح مرشح على آخر، موضحًا أنَّ التكهن بالنتائج خاضع لتقييمات كثيرة، مشيرًا إلى أنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له جمهوره، وكذلك منافسه الديمقراطي جو بايدن، الذي سيستفيد من إخفاقات ترامب، في النطاق الداخلي والخارجي، وفشل ترامب في معالجة أزمة كورونا ما تسبب في إلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد الأمريكي، كذلك الانقسام الداخلي واستهداف السود سيمثل حالة انزياح كثير من الناخبين باتجاه بايدن.

وأوضح، في حديث لـ "النجاح الإخباريَّ، أنَّ حالة الاصطفاف داخل الحزب الجمهوري ونية الكثير منهم بالتصويت للمرشح الديمقراطي بايدن تصب لصالحه، كما أنَّ المجتمع الأمريكي في ظل هذه الظروف يشعر أنه بحاجة لشخصية بايدن العقلانية، لتعيد السياسة الأمريكية للواجهة ولما اعتاد عليه العالم، بعكس سياسة ترامب التي فجرت العالم كله ضد أمريكا، بسبب اعتماده سياسة الانطواء والانكفاء على الداخل الأمريكي وهو ضد الفلسفة الأمريكية التي تم تدشينها منذ سنوات.

ترامب أوفر حظا بسبب الانقسام الأمريكي

في ذات السياق، رأى المفكر والمستشار السياسي والاستراتيجي د. رائف حسين، أن ترامب بكل أسف حظه أوفر بالفوز بالانتخابات من بايدن وذلك بسبب، الانقسام الموجود داخل المجتمع الأمريكي والقسم الذي يتبع ترامب هو الأقوى، فيما بايدن كبير بالعمر ولا يملك كاريزما، كما أن بايدن لا يحمل استراتيجية مغايرة لاستراتيجية ترامب للسياسة الداخلية أو الخارجية الأمريكية. مستدركًا أنَّه قد يتغير في بعض الأمور لكن ليس مبدئيا. والأهم من ذلك أنَّ بايدن لا يستطيع أن يؤثر على هؤلاء الذين لا يريدون ترامب، أي أنَّ كمية من سيذهب لانتخاب بايدن أقل بكثير من هؤلاء الذين سيذهبون لانتخاب ترامب. معتبراً أن ترامب كان أقوى من بايدن في المناظرة الأولى التي جرت بينهما وكان واضحًا أنَّ ترامب أكثر تصميمًا وأكثر شدّا من جهته للشارع الأمريكي من منافسه.

صعوبة التكهن

من جهته، اعتبر الكاتب والباحث السياسي حمادة فراعنة أنَّ التكهن بفوز أي من المرشحين الأمريكيين أمر صعب، وذلك لأن ترامب الذي لم يكن يحلم في الوصول إلى الترشيح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية هزم 16 مرشحًا جمهوريًّا، وفاز بترشيح الحزب الجمهوري. كما أنَّه لم يكن يتوقع أن يهزم مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون التي كانت زوجة رئيس سابق ووزيرة خارجية سابقة وعضو في الكونغرس، ومع ذلك فوجئ بأنه حقق نجاحًا وذلك بسبب قوة الائتلاف الذي قاده ترامب والذي يمثل الاتجاه اليميني المحافظ ومعه الاتجاه المسيحي الانجليكي واتجاه يميني صهيوني متطرف."

إرث أوباما

ولفت فراعنة في حديث لـ "النجاح الإخباري"، إلى أنَّ ترامب بالرغم من أنَّه حقق نتائج اقتصادية غير عادية وغير مسبوقة للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنَّه في الوقت نفسه وقع في مطبات جوهرية، أولها قضية التصادمات مع السود، وحالة العنصرية التي تعامل فيها بقتل عدد من المواطنين الأمريكيين السود في أكثر من موقع وأكثر من مكان، إضافة إلى فشله في معالجة وباء الكورونا. بينما بايدن هو شخص ورث نجاح الرئيس السابق باراك أوباما، وورث نجاح الديمقراطيين في وقف الحروب بين الولايات المتحدة الأمريكية والأطراف الأخرى، خاصة أنه عقد اتفاقات مهمة مع إيران فيما يتعلق بالاتفاق النووي وأيضا في أفغانستان، ولذلك يمكن القول أن بايدن رجل متزن ووريث نجاحات للإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وفيما يتعلق بالمناظرة الصحفية التلفزيونية الأولى التي حصلت بين الاثنين تبين أن بايدن أكثر اتزانا وأكثر اقترابا من شخصية متزنة ممكن أن تكون رئيس الولايات المتحدة الامريكية. في حين أن ترامب كشف عن شخصية متطرفة غير متزنة عدوانية ولذلك قد يكون ذلك سجل لصالح بايدن في هذا الاتجاه.

السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الانتخابات

وعن توجهات السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية بعد الانتخابات المقررة في شهر نوفمبر القادم، استبعد المختص في الشأن الأمريكي د. وليد المدلل أن تشهد تغيير جوهري، موضحاً أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والمنطقة العربية ثابتة، وما سيختلف فقط الاندفاع والجموح، الذي يتبعه ترامب.

ورأى المدلل، أن بايدن في حال ترأس البيت الأبيض فلن يتمكن من تغيير خطوات ترامب التي اتخذها في الشرق الاوسط، والصكوك البيضاء التي قدمها لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، التزاماً بالسياسة الامريكية التقليدية من جهة، والتزاما ما سيقدمه للناخبين لأن هناك ناخبين ضجوا من سياسة ترامب المهرولة تجاه إسرائيل".

في ذات الاتجاه رأى المختص في الشأن الأمريكي رائف حسين، أن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ليست سياسات الرئيس لوحده لأن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات، ودولة تضع لها استراتيجية طويلة الأمد، وعندما يتغير الرئيس تتغير السياسة بشيء بسيط وطفيف. مستشهداً بقرار ترامب في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة بعد أن اعترف بها عاصمة لإسرائيل، وقرار النقل هو قرار تم اتخاذه في الكونجرس الأمريكي وفي مجلس الشيوخ منذ سنوات طويلة ولم يقدم أي من الرؤساء السابقين على تنفيذه سوى ترامب، أي أن الرئيس يحدد بعض الأمور ولكن المؤسسة تحدد الخط العريض."

وأشار إلى أن بايدن سيغير بعض الشيء لكنه لن يغير في جوهر الأمور. مثل عدم قدرته على تغيير تفوق "إسرائيل" العسكري في المنطقة، وأمن "إسرائيل" كما تراه هي نفسها لن يتم وضع حدود ولا سقف لهذا الطموح. مؤكدا أن التغيير بما يتعلق بالشرق الاوسط سيكون طفيف جداً. بحيث من الممكن أن يؤجل انسحاب أمريكا من الشرق الاوسط أكثر من لو انتخب ترامب.

واقعية بايدن

بدوره، أكد فراعنة أنه وعلى الرغم من انحياز أمريكا التقليدية للمستعمرة "الإسرائيلية" إلا أن بايدن سيتعامل مع موضوع إيران بطريقة أكثر واقعية. وأيضا سيرث المحاولات المتعددة الديمقراطية لتسوية الصراع الفلسطيني بشكل أكثر واقعية من ترامب. مستدركاً أنه لن يستطيع التراجع عن الخطوات التي أقدم عليها ترامب في دعم المستعمرة "الإسرائيلية".

وأردف قائلاً:" بايدن أعلن وبشكل علني أنه سيعيد الدعم المالي للأونروا وللسلطة الفلسطينية وبالتالي سيكون أكثر واقعية من سياسة ترامب العدوانية التي كانت شريكا متطرفا مع اليمن الإسرائيلي الصهيوني ومع اليهود المتشددين".

ولفت إلى أنه "من الصعب على بايدن التراجع عن الخطوات التي أقدم عليها ترامب خاصة فيما يتعلق بالقدس فهو لن يستطيع التراجع عن الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة للمستعمرة "الاسرائيلية"، وكذلك إعادة السفارة الامريكية إلى تل ابيب. كما أنه يستطيع أن يعلن أنه مع الدولة الفلسطينية أو أنه يستطيع أن يقدم شيء يخدم مصالح الشعب الفلسطيني باستثناء أنه سيدعو إلى وراثة الجهود الأمريكية التي تمت في عهود مختلفة من الرئاسات الأمريكية."

ترامب العدواني

أما في حال فوز ترامب في الجولة الثانية من الانتخابات الامريكية، فسيكون عدوانيا وإجراءاته واضحة في هذا المجال من حيث، فرض المزيد من سياسات التطبيع العربية مع المستعمرة الإسرائيلية، وفرض المزيد من الضغوط على الفلسطينيين إضافة إلى أنه سيكون رافضاً لكل قرارات الأمم المتحدة. كما أنه سيضع الأرضية والسقف لحقوق الشعب الفلسطيني وفقاً لرؤيته للتسوية التي أعلنها في 28/1/2020 مع نتنياهو "صفقة القرن". وسقفها دون قدس وضم المستوطنات والغور الفلسطيني للمستعمرة "الإسرائيلية".

وشدد على ضرورة الالتفات إلى أن مسألة الضم تم تعليقها ولم يتم إلغاؤها. وخلال ولايته الثانية في حال فوزه ستكون البوابات مفتوحة لنتنياهو أو من يأتي بعده لإعلان كما قيل بتغير كلمة الضم بإعلان السيادة "الإسرائيلية" على المستوطنات وعلى غور الأردن أسوة بما فعلوه تجاه مدينة القدس.

مصير خطوات ترامب

وفيما يتعلق بمصير خطوات ترامب في الشرق الاوسط إذا ما فاز بايدن، رأى المفكر والمستشار السياسي والاستراتيجي د. رائف حسين، أن ما قام به ترامب في الشرق الاوسط أي تجسيد الخطوات الأولى من صفقة القرن، ووضع قانون للتطبيع العربي "الاسرائيلي" وهو ما يسمى ب "قانون إبراهيم"، ونقل السفارة الامريكية للقدس، وسياسته تجاه الخروج من سوريا والعراق وأفغانستان، هذه الامور الاساسية وخصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وعلاقة "اسرائيل" بالقضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية المستقبلية لن يتم تغير جذري في هذا الاتجاه، مرجحاً أن تكون التغييرات طفيفة.

أما في حال فوز ترامب، أوضح حسين بأنه": في البداية سنرى القليل من التمهل وإبطاء للعملية التي شهدناها في الأشهر الأخيرة لأنه لم يعد يحتاج إلى انتخابات جديدة، فجميع حركات ترامب هذه  ليست مبدئية، هي حركات بالأساس مبنية على قاعدة أساسية ألا وهي إرضاء الانجيليكين الجدد حتى يتم انتخابه لفترة ثانية، أي أن كل عمل ترامب خلال السنوات الأربع الماضية كان الهدف الأساسي هو الوصول إلى رئاسة ثانية."

وأشار إلى أن الأمور في الشرق الأوسط ستسير كما هي بحيث من الممكن أن تطبع بعض الدول العربية دولة أو اثنتين. لكن فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وبما يتعلق بـ "اسرائيل" لن يتم أي شيء، وهذا الأمر يتعلق أيضا بما سيحدث داخل "اسرائيل" وداخل القضية الفلسطينية. أي ما سيحدث في السياسة والسياسيين في "إسرائيل" وفي السياسة والسياسيين في فلسطين ومنها يتم قراءة ما سيقوم به ترامب مستقبلاً.

علاقة فلسطين مع امريكا

وعلى صعيد العلاقة الفلسطينية الأمريكية في حال فوز بايدن، لفت حسين إلى إمكانية أن يحصل تطور بإعادة فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في أمريكا. بحيث تتحسن العلاقة بعض الشيء لكن هذا يتعلق بنتائج الانتخابات الفلسطينية إن عقدت من هم السياسيون في القيادة الفلسطينية.

وأردف قائلاً:" ذلك مرتبط بوجود تغير على الساحة الفلسطينية. فيما يتعلق بـ "إسرائيل" والقضية الفلسطينية يجب أن ندرك أن السياسة الأمريكية سياسة شخصية سياسة مؤسساتية مجذرة لها جذور عميقة جداً والأهم بأن أمن "اسرائيل"، ووجودها فوق كل اعتبارات العلاقة مع القيادة الفلسطينية، وبناء على هذه الخطوط  يتم رسم هذه العلاقة".

وأضاف: "على القيادات الفلسطينية والعربية والسياسيين أن يعوا بأن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الاوسط قد بدأت بالتغير، فقد بدأت بقاعدة الخروج من الشرق الأوسط ببداية إغلاق السفارة الأمريكية في العراق." لافتاً إلى أن هناك شرق أوسط جديد يتكون وهذا الشرق الأوسط موجودة به أمريكا لكن ليس كما كانت موجودة في الماضي.

وبيّن أن السياسة الأمريكية لن تتغير تجاه "إسرائيل" ب180 درجة. أي أن وجود "اسرائيل" وأمنها والسياسة التي تريدها تجاه جيرانها وتجاه القضية الفلسطينية لن تتغير بتغير الشخصية إن كانت ديمقراطية أو جمهورية في البيت الابيض. مشيراً إلى أنه تم تجربة الجمهورين والديمقراطيين منذ 30 عاماً ولم يتغير شيء بما يتعلق بالقضية الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية التي تتعلق بالقضية الفلسطينية.

ودعا إلى الابتعاد عن شخصنة الأمور فالشخصيات التي ستتغير في الولايات المتحدة الأمريكية ستغير تغيرات طفيفة وليس في الجوهر.

ويبدو أن الثابت الوحيد هو أن الانتخابات الأمريكية على أهميتها، إلا أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي ملتزمان بالدعم المطلق لإسرائيل، على حساب الحقوق الفلسطينية، إلا أن ترامب كان الأكثر فجاجة عن سابقيه، ووضع حداً للرهان الفلسطيني على الإدارة الأمريكية كراعية نزيهة للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.