الخليل - محمد أبو شقرة - النجاح - يحمل كراسة الرسم خاصته، يجمع أقلامه الخاصة ، ينقش بأنامله وريشته الساحرة خطواته الواثقة؛ طامحاً لأن يحفر اسمه في صفوف عمالقة الفن ، دافنشي وبيكاسو ومايكل أنجلو، هكذا يعيش ابن الثانية والعشرين ربيعاً الشاب ليث أبو عرام من مدينة يطا في محافظة الخليل دائباً في رحلة بحثه عن العالمية.

لم يكن منذ اللحظة الأولى مدركاً حجم الخيال الفني الذي يستوطنه، اهتمامه كان محدوداً وضئيلا، إرهاصات مرحلة الاكتشاف ظهرت مع أبو عرام خلال معرض للفن التشكيلي أقيم داخل أبنية جامعة الخليل والذي يعد أحد أبنائها حيث أتم دراسة تخصص أمن وحماية شبكات حاسوب، معرض كان يشتمل على نخبة من الموهوبين والفنانين في مجالات الفن التشكيلي، وهنا بدأت جينات دفينة تخفق وتذكره بانتمائه لهذا العالم.

دشّن أولى خطوات الاستعداد والتجييش النفسي لأن يكون عضواً مشاركاً في المعرض حيث عمل على البحث أكثر في مجال الرسم وتحديدا في الزاوية التي يريد تطويرها.

وقال أبو عرام لـ "النجاح الاخباري"،: "مهاراتي آنذاك كانت بدائية وضعيفة، كنت غير ملمٍّ بالفن التشكيلي، وكانت رسوماتي بسيطة جدًا".

في مرحلة البناء، من الطبيعي أن يواجه الإنسان بعض الصعوبات التي يجب أن يتسلح للتصدي لها، وهذا ما قام به ليث حينما اتخذ أجراءات صارمة بحق نفسه من حيث التنازل عن بعض ضرورياته وقوت يومه وتوفير مصروفه لأجل أن يحصل على جميع الأدوات اللازمة لتطوير موهبته ولو كانت بأقل الأسعار من مكتبة القلم الجاثمة على طريقه اليومي، مبتسمًا على عضض "أحيانا كنت أشعر بالإحراج من أصدقائي حينما كانوا يدعونني للخروج معهم إلى مكان ما لتناول الطعام لأن هذا يعني أن ما أوفره للأدوات سأفتقد جزءاً منه".

ومن الصعوبات التي واجهها ليث انتشار المنتقدين، لكنه لم يعيرهم اهتماماً فهو يملك شعوراً يفوق نظرتهم وحكمهم، يحمل في جعبته الكثير من غير المتوقع ويقول: "الناقد والداعم الأول هم عائلتي، النقد بداية نابع من الخوف على مستقبلي خصوصاً أني كنت في طور التدريب، والآن أحصل على دعمهم بشكل كبير وأشعر بقوة تساندني" .

خلال رحلته في البحث عبر اليوتيوب وصل إلى مرحلة الاكتفاء حيث أن مهاراته تتطلب أعلى مما تعرضه هذه القنوات، فأخذ على عاتقه النحت في الصخر من خلال القراءة للرسامين القدماء فقرأ أكثر من مائة وخمسين كتابًا ، فبدأ يجدف وسط مخطوطات دافنشي الذي اختص في مجال علم التشريح في الرسم، يغوص تارة في علم أندرو لوميس الذي اعتبره الشخص الأبرز الذي شرح طريقة رسم الوجوه بطريقة علمية حيث يفسر جميع الأشياء التي أمامه عبارة عن أشكال دامجا العلم والهندسة والرسم معاً.

استطاع ليث المشاركة في معرض الفن التشكيلي في جامعة الخليل وكانت قد خلقت في ذهنه عديد من المشاعر المتناقضة التي سيطرت عليه فالوصول منحه حافزاً قوياً لكن ضعف الرسومات التي شارك بها كانت كفيلةً ببث المشاعر السيئة في نفسه، شعورٌ سيء وبدى ذلك جليًا بتهميش زوار المعرض للزاوية التي يعرض بها رسوماته ، فمروا مرور الكرام مقارنة برسومات فنانين آخرين استوقفتهم رسوماتهم لجمالها وقوتها. وعبر عن تلك اللحظة واصفاً إياها بالصعبة قائلاً: أن ترى جميع الحضور يشاهدون أعمال الآخرين بينما أعمالك يقف عندها شخصين اثنين فقط كان أمراً ليس سهلاً علىَّ لكني رأيتُ هؤلاء درساً ورسالة تحفيزية لتقوية موهبتي التي أتت أُكلها في المشاركة التالية التي زخرت باهتمام الحضور بما قدمت.

أكثر من ثمانٍ وسبعين ساعة على مدار شهر ونصف من الجهد والعمل الكبيرين وضعهم ليث في لوحة النقلة الثورية في مسيرته الاحترافية باستخدام الرصاص والفحم ، احتوت على كثير من التفاصيل المختلفة بمنتهى الدقة رغم سوء الأدوات المستخدمة متحدياً خشونة الورق غير الصالح لإظهار تفاصيل ذلك العجوز الذي يحتل شغفه، ثنايا التجاعيد، نظرة الشقاء، ذقنه التي يحتلها بياض اللحى، استطاع بهذه اللوحة أن يحصل على المركز الأول خلال مسابقة على مستوى قسم المالتيميديا في الجامعة.

زلا زال مستمرًا، لم يتوقف، سعى لابتكار أسلوبه الفذ وفرضه وأعلن عن دورات تطوعية ينقل من خلالها نهجه وابتكاره وقال : هذه الدورات كانت جيدة جدا ورفعت مستواي بشكل ممتاز وتمكنت من صناعة اسمي في عالم الفن . أخذ على عاتقه منهجاً جديداً في تغيير نظام التدريب مع طلبته، استخدم أساليب قائمة على معايير عالمية اقتبسها من نخبة الفنانين العالميين، لم يكتفِ بها كما هي بل أضاف عليها لمساته الخاصة والتي تظهر تطور الطالب من الكورس الأول فقط.

شغفه لا يكل ولا يمل شبابٌ كمثله لا يهرم ساعياً للتجديد، يحب أن يخوض غمار معارك جديدة تحديا للذات حتى لا يصاب بملل التكرار من الطرق التي أصبحت معروفة ومتداولة بعيدا عن الألوان والزيت، انطلق إلى عالم الرسوم المتحركة التي يرى فيها تميزاً ليس سهلًا على أي شخص الوصول إليه، رغم أن صناعة أفلام الرسوم المتحركة بحاجة إلى طاقم عمل كامل إلا أنه أصر على إنتاج فيلم "رسالة تلاشي" لفكرة استمدها من الواقع بشكل فردي في كافة متطلبات إنتاج الفيلم من رسم وإعداد وإنتاج وإلقاء وإخراج وغيرها.

في لحظة ثقة تظهر على محياه قال: "لقد حظيَ الفيلم على إقبالٍ كبيرٍ جدا، لاحتوائه على كافة الأمور التي كنت أبحث عنها من خلال دمجها مع الرسم استطيع من خلالها خلق شيءٍ جدلي".

طموحه لم يتوقف عند هذا الحد ولازمه الشعور بالظمأ والجوع لنحت اسمه في هذا الفن وهو ما دفعه للعمل على فكرة فيلم ضخم بمستوى مختلف ويحتوي على رسومات متحدياً فيها الرسامين والفنانين، عمل متوقع أن يكون مكلفًا جداً على الصعيد الذهني والوقت والجهد، يستعين هذه المرة ببعض الأفراد كطاقم مساعد لتنفيذ الفكرة في التدقيق اللغوي وعلى صعيد ترتيب الأفكار وفي الترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

لن ينطفئ ، سيطارد خلف حلمه ، يرمي "ليث" الوصول إلى القمة، في الوقت القريب سيجري التواصل مع شركات عالمية ، يرى أن أصغر طموح يملكه هو التتويج بجائزة الأوسكار كبداية ليكون منافسا واقفاً بندية لكل الرسامين والفنانين ليخطف مقعداً بين الصفوة الكبار، ومن ثم يتوج بها في سلسلة جوائز متواصلة على مستوى العالم.