نابلس - منال الزعبي - النجاح - أزمة مالية غير مسبوقة مرتبطة بظروف استثنائية تواجهها السلطة الفلسطينية، أدت إلى تأخر صرف رواتب الموظفين وضبابية الرؤية مع تراجع ايرادات السلطة في مايو 90%عن معدلها الشهري، يجعلنا أمام عجز مالي كبير بحاجة لتحليلات وحلول.

وكان تصريح المتحدث باسم الحكومة إبراهيم ملحم قد بدد آمال نحو 133 ألف موظف في السلطة الفلسطينية ينتظرون رواتبهم عن شهر مايو/ أيار الماضي، حيث لا موعد واضح لصرفها.

حل استثنائي 

بهذا الخصوص أكّد أستاذ العلوم المالية والاقتصادية بجامعة بير زيت د.نصر عبد الكريم، أنَّ الأزمة المالية التي تمرَّ بها السلطة الوطنية الفلسطينية عميقة وغير مسبوقة تأتي بسياق مواجهة سياسية استراتيجية مصيرية وليس مجرد خلاف تكتيكي مع الاحتلال.

وتوقع أن يطول أمد الأزمة المتعلق بإجراءات الاحتلال التي تهدد المشروع الوطني الفلسطيني، "وربما نشهد تطورات اقتصادية وسياسية".

وقال إن الانفراج مرهون بالضغوطات الدولية القادرة على ثني "إسرائيل" عن قرار الضم  فيزول السبب الرئيس لما يجري من أحداث الا أنَّ الأزمة باقية ما بقي الاحتلال تطل برأسها بين حين وآخر.

وأوضح أنَّ ثلثي إيرادات السلطة تأتي عبر أموال المقاصة التي تبلغ 200 مليون دولار شهريًّا أي ما يعادل 600-700 مليون شيكل في حين لا تتعدى الجباية المحلية 250 مليون شيكل أي ما يعادل 70-80 مليون دولار، ما يعني أنَّ أموال المقاصة تشكِّل الجزء الأكبر من الإيرادات في حين تعجز الجباية المحلية عن تغطية ثلث فاتورة الرواتب.

وأضاف أن كلَّ ما جمعته السلطة من بداية شهر أيار إلى اليوم من الإيرادات المحلية لا يتجاوز 100 مليون شيكل أي أقل من نصف المعتاد، ما أحدث عجزًا كبيرًا يقدّر ب 750 مليون بينما الإنفاق المطلوب يتجاوز900 مليون شيكل.

ورأى أنَّ الحل الاستثنائي يكمن في إيفاء الدول العربية بوعودها وقراراتها من خلال تفعيل شبكة الأمان المالية العربية أو توفير قرض بنكي ميسر طويل المدى ب100 مليون دولار شهريا.

ولفت لحل آخر ممكن من خلال تمثيل السلطة في اجتماعات المقاصة من خلال جهة خارجية وسيطة، بنك دولي، أو اتحاد أوروبي تعمل على تسوية أمور المقاصة مع الاحتلال.

واستدرك بأنَّ "إسرائيل" حاليًّا تسعى لكسر الإرادة الفلسطينية وليست بصدد بحث مخارج للسلطة إلا في ظلِّ ضغط دولي كبير.

ولفت إلى أنَّ الحلول الفنية الأخرى المطروحة في غياب الحل السياسي لهذه الأزمة، من تقشف والغاء النفقات غير الضرورية التي لا تمس بحقوق الناس والمتعاقدين مع الحكومة او تحسين الجباية الضريبية سواء الاقتراض من البنوك ولن يتعدى 150 مليون شيكل أو المساعدات الدولية بحدود 120 مليون شيكل كلها لن تسد الفجوة الحاصلة.

وأضاف أننا سنكون أما مشهد حي لهذا الملف خلال شهر 7 وما يترتب على خطوات الاحتلال الجدية بشأن الضم، "وإن نجاح إسرائيل بالضم يعني نهاية كل المشروع  ما يترتب عليه ثمن سياسي كبير جدا".

أسباب كثيرة اجتمعت على الوضع المادي للسلطة الفلسطينية من التراجع الحاد للإيرادات والتوقف عن استلام أموال المقاصة المرتبط بالقرار الفلسطيني وقف التنسيق بين الجانبين، والتراجع الحاد في الجباية المحلية بنسبة 60% بسبب جائحة كورونا. ما يعني تراجع إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة 90% منذ أيار الماضي حتى اليوم.

سيناريو اقتصادي صعب 

في السياق ذاته رأى الخبير الاقتصادي د. طارق الحاج أنَّ أزمة المقاصة قديمة حديثة متجددة حيث أدركت دولة الاحتلال الإسرائيلي اعتمادنا الأساسي بنسبة 60% من نفقاتنا على الايرادات الضريبية التي تشكل بمجملها 80% من الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية في حين  20% دعم ومساعدات خارجية.

وقال إنّ المقاصة الملاذ الوحيد لرفد خزينة الدولة، وبالتالي انقطاعها يعني انخفاض الكتلة النقدية وفقدان السوق لـ800 مليون شيكل شهريا، ما يعني نضوب النقود المتداولة، وانخفاض القدرة الشرائية، وما يترتب عليها من كساد البضائع، وتضرر القطاع التجاري، ومن ثمَّ دخولنا في ركود اقتصادي في فلسطين في ظلّ تراجع اقتصادي ووضع صعب، ما يفرض وضعا صعبا على المواطن وعدم قدرته على الايفاء بالتزاماته من شيكات وقروض ومتطلبات الحياة الأساسية من تعليم واستطباب وغيرها من أساسيات الحياة.

ولفت إلى أنَّ الحلول أمام المواطن الفلسطيني باتت صعبة فمنهم من توجه للعمل في الداخل المحتل ومنهم يبحث عن الهجرة بشكل كلي، ومنهم من أضحى تحت خط الفقر.

وأوضح أنَّ هناك توجه أو حلّ أمام السلطة بإيقاف نثريات الراتب وإمكانية دفع جزء منه لحين حل مشكلة المقاصة، "وهو حل جزئي أما الحل الكلي الجمعي يتجسد بدحر الاحتلال عن ما تبقى من فلسطين عام 1967" بحسب الحاج.

أزمة المقاصة

ولم يفِ الدعم الخارجي الذي تلقته السلطة في آيار والذي بلغت قيمته 28 مليون دولار فقط، والإيرادات التي لم تتجاوز 68 مليون دولار، من تغطية حوالي خمس النفقات العامة الشهرية فقط، البالغة حوالي 300 مليون دولار.

وحتى نهاية مايو/ أيار، بلغ حجم مديونية السلطة الفلسطينية للبنوك المحلية 1.627 مليار دولار، إضافة إلى 1.1 مليار دولار ديون خارجية نصفها لصندوق يديره البنك الإسلامي للتنمية.

يشار إلى أن السلطة أوقفت التنسيق منذ إعلان الرئيس محمود عباس في 19 مايو الماضي، أنَّ السلطة في حلٍّ من الاتفاقيات مع إسرائيل بما فيها الأمنية،  ردا على خطط إسرائيلية بضم أجزاء من الضفة الغربية، يتوقع البدء بتنفيذها مطلع يوليو/تموز المقبل.

وعائدات المقاصة، هي ضرائب يدفعها الفلسطينيون على وارداتهم من الخارج عبر منافذ تسيطر عليها إسرائيل، وتجبيها الحكومة الإسرائيلية نيابة عن السلطة، وتحولها إلى الخزينة الفلسطينية نهاية كل شهر بعد اقتطاع عمولة 3 بالمئة.

وتشكل المقاصة أكثر من 60% بمن إجمالي الإيرادات العامة الفلسطينية، وأقدمت دولة الاحتلال الاسرائيلي على احتجازها لأكثر من 10 مرات منذ قيام السلطة الفلسطينية في 1994، فيما يعتبره الفلسطينيون ابتزازًا إسرائيليًّا للمواقف السياسية.