مارلين أبو عون - النجاح - بينما كنت أسيرُ قاصدة منزل أسرتي في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، لفت انتباهي مشهد شاب في الثلاثينيات من عمره وهو يمسك بيده هاتفه المحمول وكان يتحدث مع شخص ما على الجهة الأخرى ليس حديثا صوتيا وإنما يتواصل معه عن طريق الشات أو الماسنجر، غير آبه للشارع المكتظ بالمارة والسيارات فتارة يتخبط يمنة وتارة أخرى يسرة بالمارة، فيما أطلقت السيارات صفيرها المدوي عله يتنحى عن وسط الشارع لكنه لم يأبه لكل ذلك فانشغاله بحديثه عبر الهاتف أخذ عقله وجميع حواسه أصبحت داخل جهاز الكتروني، وبلمح ثوانِ معدودة خرجت سيارة مسرعة وانعطفت من بين المفترق الذي كان الشاب في وسطه فاصطدمت به وتدحرج جهاز المحمول بعد أن تكسر وسط الطريق؛ وسارع الناس يحملون الشاب الذي لم يتنبه لا لحياته ولا لروحه وتركها أسيرة هاتف تكسر أجزاء قبل أن يصاب هو.

مشهد الشاب أثر في داخلي وأعادني للكثير من الأحداث الأسرية والمجتمعية والظواهر الغريبة التي أصبحت دخيلة عليه، الهذه الدرجة أصبحت تُستغل التكنولوجيا الحديثة بطريقة خاطئة وربما تكون مميته بنفس الوقت؟.

طلق زوجته بسبب الفيسبوك

وفي استخدام آخر، تسبب الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا إلى حالات طلاق ودمار أسر، وخلال توجهي لمحكمة شمال غزة الشرعية بعد أن سمعت عن قصص طلاق كثيرة كان سببها الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي؛ التقيت مجموعة من الأزواج اللذين اختلفت قصصهم ولكن مضمونها كان واحداً.

الشاب "خالد" من بين كثير من الأزواج الذي ينتظر دوره بالخارج ليكمل إجراءات طلاق زوجته التي كانت تجلس على مقربة منه؛ وحينما سألته عن سبب الطلاق أجاب: "زوجتي كانت دائمة الجلوس على الهاتف تتحدث مع صديقاتها عبر الجهاز غير آبهة لمسؤولياتها تجاه ابنها وبيتها، وحاولت كثيرا أن أمنعها من هذه العادة التي لا تطاق، ومرات عديدة أخذتٌ منها الهاتف وكانت تعدني أن تنتبه لبيتها فتلتزم أيام بكلامي وتعود مرة أخرى لعادتها القديمة حتى ضقت ذرعا منها فأصبحت الحياة لا تطاق".

على الجانب الآخر كانت تجلس زوجته "منى" ابنة السابعة عشر عاماً بالقرب من والدها الذي كان ينظر لها بنظرات يملأها الحسرة والألم، "منى" أخبرتني عن السبب الذي كانت تهمل زوجها وبيتها فقالت: (زوجي يتركني طوال النهار في البيت لوحدي يخرج من الصباح للعمل ويعود آخر الليل مُنهك ومتعب يريد أن ينام وحينما أطلب منه الخروج يرفض، ويقول (المرأة بيتها أولى بها) فلم أجد أحداً أتحدث معه طوال اليوم سوى أنني تعرفت على صديقات عربيات وفلسطينيات عبر الفيسبوك وأصبحت أتابع الأخبار وأثقف نفسي بنفسي وزوجي لا يريد ذلك ويضيق عليَّ، لا يريدني أن أسلي نفسي ولا أن أخرج من البيت فماذا أفعل؟

الحال لم يقف عند المحاكم الشرعية فحسب ولو أمعنا النظر لرأينا الشباب الذين يجلسون على الطرقات يمسكون هواتفهم ويقضون وقتهم طويلا معها، خصوصا مع قلة فرص العمل بغزة.

عائلات بأكملها يتواصلون عن طريق الفيس بوك مستعيظين عن الزيارات

الترابط الأسري الذي كنا نجده قديماً أصبح الآن ذكرى، لأن الكثير من العائلات تستعيظ عن الزيارات بالتواصل عبر الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي مما خلق فجوة كبيرة بينهم.

عائلة "أبو محمود الخالدي" هي نموذج آخر من العائلات التي نسيت صله الرحم وزيارة الأهل مثلما حث عليه ديننا الحنيف، يقول أبو محمود وهو أب لسبعة أبناء أكبرهم بالعقد الثالث من عمره وأصغرهم لم يتجاوز الثامنة عشر بعد:" أولادي دائما مشغولون بأنفسهم، وكثيراً ما أطلب منهم زيارة أقرباءنا بالمناسبات وغيرها وبالكاد يذعنون لطلبي مكرهين وحتى إن زرناهم لا نكد نجلس بضع دقائق فينشغل ابنائي بهواتفهم ويتركونني أتحدث مع اقرباءنا لوحدي فيوقعني ذلك بحرج كبير معهم، وحتى وإن صار العكس وأتى أحد لزيارتنا لا يأبهون به ولا يجلسون إلا بضع دقائق فيقوم كل واحد منهم إلى غرفته ليعيش بعالمه الذي عيشته به التكنولوجيا الحديثة".

هذه القصة جعلتني استذكر كيف رسم الفنانون هذا الظاهرة بشكل كاريكاتوري مضحك ومبكي بآن واحد.

فهل الوضع الراهن الذي نعيشه نحن في القطاع المحاصر والذي خلق جيشا من العاطلين عن العمل هو ما دفع الشباب وحتى العائلات بالهروب من العالم المأساوي فيطلقون من خلاله لأحلامهم العنان بالخروج، ولأرواحهم المكبوتة بالانطلاق في سماء غير حقيقية.

وعلى الجانب الآخر وبرغم التحذيرات من الإفراط في التعاطي مع وسائل التواصل يدعو المتخصصون والباحثون الى الانصاف في تقييم تجربة وسائل التواصل فعندما يطرح موضوع مواقع التواصل الاجتماعي يرد في الذهن مباشرة المخاطر بينما النظرة المتوازنة تتطلب النظر إلى الايجابيات والسلبيات معا ليكون الحكم معتدلاً.