مدى شلبك - النجاح - لم تغب عن بالي ولم أتمكن من إجبار صوتي على التزام الصمت لمّا خرجت من فمي ترنيمة "يا مريمُ البِكْرُ فُقْتِ الشمسَ والقمرَ"، خلال سيري في شوراع بيت لحم القديمة بعد خروجي من كنيسة المهد، وصولاً إلى طريق ضيق مرتفع تتقابل فيه البيوت القديمة وتتدلى أزهار من شرفات صغيرة لا تتسع إلا لشخصين أو لقلبين.

عودة بالزمن إلى قرون سابقة يشهدها السائر بين تفاصيل الكنيسة وما حولها، وأحاديث مطولة تسردها حجارة المكان على الموجودين، أما الساحة الممتدة أمام باب الكنيسة تدفع بك إلى رسم مشاهد كثيرة، فمن مرَّ من هنا؟ وماذا ترك خلفه، حرب أم سلام؟ حب أو ربما حزن؟ لعله كان كهلاً أرهقه المرض.. وتلمّس مدى تشابه المكان مع معالم وجهه؟ وبالحديث عن المشاهد.. كم من صورة التقطت على جدران الكنيسة؟ 

تصل إلى باب صغير بعد عبور الساحة، يصل بك إلى صمت ناطق، حيث أن الهدوء يطغى على روح المكان وقِدمه، لكن كل التفاصيل الصغيرة من أيقونات وفسيفساء مخبأة، وقناديل بوهج خفيف وستائر مزخرفة وثريات معلّقة، تقول الكثير.

البعد التاريخي للكنيسة

وفقًا لماثيوس القسيس وهو مرشد عام في كنيسة المهد، فإن كنيسة المهد واحدة من أقدم الكنائس القائمة حتى يومِنا هذا في فلسطين والعالم، حيث بنى الإمبراطور الروماني قسطنطين، في القرن الرابع الميلادي، الكنيسة الأولى فوق المغارة التي وَلدت فيها السيدة مريم المسيح.

وقال القسيس لـ"النجاح الإخباري"، أن الكنيسة بنيت على شكل قلعة حصينة، تفترشها  أرضية من الفسيفساء، تعتليها أرضية ثانية لحماية الفسيفساء، وقام قسطنطين وأمه هيلانة بتوسيع الكنيسة المزيّنة بالرّخام والفسيفساء.

وخلال القرن السادس، بنى الإمبراطور البيزنطي جستنيان كنيسة جديدة في ذات المكان، في حين نجت الكنيسة من الدمار خلال الغزو الفارسي في القرن السابع، وخلال القرن الحادي عشر رفع الصليبيون راياتهم فوق كنيسة المهد ورمموها.

وتم تضييق مدخل الكنيسة الرئيسي لحمايتها من الغزاة، وفيها مجموعتان من السلالم تؤدي إلى مغارة المهد، التي تضم نجمةٌ فضية بأربعة عشر شعاعًا، حيث المكان الذي ولد فيها المسيح، وحول النجمة منقوش باللغة اليونانية: "هنا من السيدة العذراء ولد الطفل يسوع".

وأوضح القسيس أن الكنيسة تضم ثلاثة كنائس تتبع لثلاثة طوائف، وهن الكنيسة الأرثوذكسية في الوسط، وكنيسة الأرمان في المنطقة الشمالية، بالإضافة إلى الكنيسة الكاثوليكية التي بنيت فوق دير بجانب كنيسة المهد، مشيرًا إلى أنه لكل كنيسة طقوسها وقوانينها وتقويمها.

حصار الكنيسة

خلال الانتفاضة الثانية بتاريخ 2 أبريل 2002، حاصرت قوات الاحتلال 200 مقاوم فلسطيني داخل كنيسة المهد في مدينة بيت لحم، لمدة 39 يومًا. وكانت محافظة بيت لحم محاصرة من كافة الاتجاهات الأمر الذي قيد حركة المقاومين ومنعهم من الانسحاب خارج المحافظة، أما الدبابات الإسرائيلي وناقلات الجنود كانت تقطع الطريق باتجاه الكنيسة.

وحسب القسيس فإن المقاومين لجأوا للكنيسة كونها محصنة، فيما فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارًا على الكنيسة دام لمدة 45 يوم، وأثناء ذلك كانت المواد الغذائية تصل للمقاومين بكميات محدودة، ومع مرور الوقت زادت ندرة الطعام.

وخلال الأسبوع الثاني، كانت المواد المخزنة في الأديرة تلبي الحاجة وجبة إلا أنها بدأت بالنفاذ تدريجيًا ما دفع المحاصرين للأكل من أوراق الأشجار المزروعة في باحة الكنيسة.

وبإحكام الحصار كانت قوات الاحتلال تحاول تجويع المقاومين، لكن جهود رجال الدين حالت دون نجاح خطة الاحتلال، حيث استمر رجال الدين رجال الدين في تهريب الطعام إلى داخل الكنيسة، ومشاركة الطعام مع المحاصرين.

وأشار القسيس إلى أنه جرت مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي خلال الحصار من قبل المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية، وبناءً عليها تم إبعاد المقاومين الفلسطينيين عن الضفة الغربية إلى قطاع غزة ونفي بعضهم إلى الدول الأوروبية، على أساس أن يعودوا بعد عام، وهو الشرط الذي أخل به الاحتلال.

وقد أشاد المبعدون فيما بعد بتعاون الرهبان معهم أثناء الحصار.

الأب إبراهيم فلتس قال في لقاء سابق إن اجتماعًا جرى بينه وبين رئيس الروم ورئيس الأرمن وقرروا خلاله استضافة المقاومين في كنيسة المهد لأنه بيت الله.

أما الرواية الإسرائيلي فزعمت أن المقاومين تعاملوا مع الرهبان كرهائن، وهذا ما نفاه الأب فلتس قائلاً: "لم نكن رهائن ولكن كان الوضع داخليًا صعب، فقد كنا رهائن للسلام، يتحتم علينا إنقاذ حياة إنسان".

وفي 10 أيار فك الحصار عن الكنيسة، والذي أسفر عن استشهاد 7 مقاومين وإصابة 14 آخرين، وكان من نتائجه إبعاد 39 مواطنًا فلسطينيًا.