نهاد الطويل - النجاح - لم تتوانَ سلطاتُ الاحتلالِ يومًا عن تقويضِ عملِ الحكومةِ الفلسطينيةِ وهذه المرَّة عبرَ بوابةِ ما يُسمى بالإدارةِ المدنيةِ التابعةِ لجيشِ الاحتلال الإسرائيلي.

مجلسُ الوزراءِ الفلسطيني كان قد حذَّرَ قبلَ أيام الحكومةَ الاسرائيليةَ من مغبةِ الاستمرارِ في هذه السياسةِ الهادفةِ إلى تعزيزِ احتلالِها الاستعماري في الدولةِ الفلسطينية، من خلالِ مجموعةٍ من الممارساتِ والإجراءاتِ والسياساتِ غيرِ الشرعية، لا سيما الخطةُ التي تمَّ إعدادُها مؤخرًا لمضاعفةِ عددِ العاملينَ المدنيينَ في الإدارةِ المدنيةِ لسلطةِ الاحتلال، التي كان من المفترضِ حلُّها منذُ سنواتٍ حسبَ الاتفاقياتِ الموقَّعةِ، وإظهارُها كجهازٍ مدني، وتوسيعِ نشاطِ وصلاحياتِ هذه الإدارةِ الاحتلاليةِ، ومحاولاتِها المرفوضةِ لفتحِ قنواتِ اتصالٍ مباشرةٍ مع المواطنينَ الفلسطينيين ورجالِ الأعمال.

وعرّفت الحكومةُ الفلسطينيةُ الإدارةَ المدنيةَ الإسرائيلية، بأنَّها ذراعٌ رئيسٌ للاحتلالِ الإسرائيلي"، وقالت في بيانٍ صَدَرَ عنها أنَّه يعملُ على تعزيزِ سلطَتِهِ وسيطَرَتِهِ على الضفةِ الغربيةِ المحتلة، والتحكمِ في كلِّ مناحي الحياة، كما يعملُ على تضييقِ سُبلِ العيشِ لشعبِنا الفلسطيني في أنحاءِ الضفةِ الغربيةِ كافة، وترسيخِ النظامِ الاستعماري، من خلالِ منظومةِ الاستيطانِ غيرِ الشرعي.

وتقولُ القيادةُ الفلسطينيةُ: إنَّ مواصلةَ عملِ الإدارةِ المدنيةِ هو بمثابةِ الغاءٍ اسرائيليٍّ واضحٍ لاتفاقِ أوسلو وتخليها وتراجعِها من طرفٍ واحدٍ عن الاتفاقياتِ الموقعةِ، ما يترتَّبُ على الدُولِ الراعيةِ لهذه الاتفاقياتِ من تَحَمُّلِ مسؤولياتِها بإفشالِ إسرائيل للجهودِ الدوليةِ لتحقيقِ السلامِ في المنطقة.

ومن المعروفِ أنَّ الإدارةَ المدنيةَ الإسرائيليةَ هي جهازٌ عسكريٌّ بثوبٍ مدني، كان مسؤولًا عن تسييرِ شؤونِ الفلسطينيينَ قبلَ السلطةِ الفلسطينية. ويفترضُ أنَّهُ تمَّ حلُّ هذا الجهازِ بعدَ قيامِ السلطة، التي تولَّت بدورِها شؤونَ الفلسطينيين.

لكن ... قبلَ سنوات أحيتْ إسرائيلُ هذا الجهازَ من جديد، ووضعتْ على رأسِهِ الجنرال يؤاف مردخاي، الذي يُعرَفُ في تل أبيب كمنسقِ أعمالِ الحكومةِ في الضفة ..

وَوَسْطَ كلِّ ذلك يواصلُ من يُسمي نفسَه بالمنسِّقِ ببثِّ سمومِه على صفحاتِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، للتواصلِ المباشرِ مع الشعبِ الفلسطيني، ملقِيًا عليهم محاضراتٍ أمنيةً، وبياناتٍ مختلفة، دعا فيها إلى زيارةٍ مباشرةٍ لمكاتبِ الإدارةِ المدنيةِ من أجل ِالحصولِ على تصاريحَ جديدةٍ، وإلغاءِ المنعِ الأمنيّ، والتنقُّلِ بينَ الضفةِ وغزة وإسرائيل، في تجاوزٍ واضحٍ ومباشرٍ لدورِ الحكومةِ الفلسطينية.

وتُظهِرُ مراجعةٌ قصيرةٌ لصفحةِ المنسق، إلى أيِّ حدٍّ تتدخلُ الإدارةُ المدنيةُ في حياةِ الفلسطينيين وهو ما يَعُدُّهُ المراقبون تجاوزًا أمنيًّا وسياسيًّا خطيرًا بلباسٍ مدني وإنساني.

وبهذا التدخلِ السافر الذي يُغضِبُ الكثيرينَ بمن فيهم القيادة الفلسطينية والتي سارعت بدورِها الى وضعِ شرطٍ لحلِّ هذه الإدارة من ضمنِ شروطٍ أخرى لعودةِ الاتصالات، تمهيدًا لإطلاقِ أيِّ عمليةِ سلام.

ومن وراءِ هكذا سيناريو يتضحُ النهجُ الاسرائيليُّ القائمُ على الابتزازِ والترويجِ لبدائلَ تتمثلُ في روابطِ مدنٍ جديدةٍ طُرِحَتْ للمرةِ الأولى من قبلِ الحاكمِ العسكريِّ الإسرائيلي للضفةِ الغربيةِ المحتلةِ عام 1967. وكان الهدفَ إيجادُ قياداتٍ بديلةٍ في الأرض المحتلة، يتمُ التعاملُ معها مباشرةً للالتفافِ على منظمةِ التحريرِ الفلسطينيةِ في الشتات ،  وهو الخطرُ الكبيرُ الذي تُحذِّرُ منه الجهاتُ الفلسطينيةُ بكلِّ مستوياتِها.

وتبقى صورةُ مردخاي التي تظهرُ على صدرِ صفحةِ المنسق، جاثمةً لتذكّرَ الفلسطينيّينَ بأنَّهُم أمامَ جنرالٍ عسكريٍّ إسرائيليّ كان ولا يزال سبباً في ما يعيشونَهُ من مشاكلَ ومعاناةٍ يوميةٍ ولن تنتهي الا بزوالِه وزوالِ احتلاله.