سائد نجم - النجاح - لم يكن تشييع الشهيد "باسل الأعرج" إلى مثواه الأخير نهاية المطاف، على الرغم من استلام جثمانه بعد مماطلة الاحتلال ثلاث مرات، ومواراته الثرى في مسقط رأسه بقرية "الولجة" غرب بيت لحم، إلا أن قصصًا وأسرارًا رافقت التشييع بقيَت في الخارج.

بعد أيام من تشييعه، يرجع بنا "أبو السعيد" والد الشهيد "الأعرج "إلى لحظة استلامه، وإلقاء نظرة الوداع والصلاة عليه، واصفًا لـِ "النجاح الإخباري" كيف فقد حينها الكلام من فمه، وأخذ يكلمه بتحية عسكرية جاءت عفوية، تعبيرًا عن كلام كثير كان يجول في صدره اتجاه ولده، حملتْ تمام الرضى عليه.

استلام جثمان "باسل" كان شعورًا بالهدوء والاستقرار وَأضاف أبو السعيد مكملاً، هو حزن ملأ القلب، كذلك كانت التجربة بمشاطرة شعور ذوي الشهداء المحتجزة جثامينهم في المعاناة.

ويصف "أبو السعيد" رايات العلم الفلسطيني الواحد التي اعتلت موكب التشييع بأنها كانت امتدادًا لرسالة "باسل" في الوحدة، وأنّ المشيّعين هم جسد "باسل" الذي لم يُدفَن.

وعلى الرغم من الحضور المهول من المشيّعين، الذين بلغ عددهم بحسب مقدرين عشرين ألف مشيّع، إلا أنّ ابتسامة والدة الشهيد "باسل" كانت لافتة وسط الحزن والغضب الذيْن كانا حاضريْن في الجنازة.

وعن سرّ الابتسامة تقول اُم السعيد لـِ "النجاح الإخباري" إنها استبشرت خيرًا حين رأت ابنها تشيّعه آلاف الجماهير، ككرامة من الله في الدنيا، ومقدمة لكرامة أكبر في الآخرة.

تؤكد أمّ السعيد" أنّ استشهاد ولدها لم يزدها سوى قوة، فهي ترى في "باسل" العلامة الفارقة والمميّزة، وأنّه كان صادقًا مع نفسه ومع الله.

وُوريَ جثمان "الأعرج" الثرى في قرية "الولجة" التي تتاخمها مستوطنة "بار غيلو"، والتي لا تبعد عن القدس سوى بضع كيلو مترات، فكان للمستوطنة -كما رأى مراقبون- حضور المرتبك أمام جنازته المهيبة، التي لم تَخْلُ من اعتلاء جنود الاحتلال نقاط مراقبة، ونصبهم حواجز على مدخل القرية خوفًا وخشية.

لا زال يذكر والد "الأعرج" كيف كان يشتري لـ "باسل" الكتب إلى أنْ كبر وأصبح يشتريها هو من مصروفه، فقرأ قرابة ثلاثة آلاف كتاب، وكان فطنًا ذكيًّا عفويًّا، له القدرة على الإقناع وجذب الانتباه عند الحديث.

ويرى "أبو السعيد" أنّ سرّ شخصية ولده القيادية الذي درس الصيدلة في مصر، تأثُره بالقادة الثوريين العِظام في العالم والوطن العربي، وبالمجاهدين الذين ظلمهم التاريخ، فكان غيورًا على مصلحة الوطن، وجريئًا لا يهاب أحدًا في السؤال والجواب، إلى أن أصبح بذلك "المثقف المشتبك".

ستة أشهر كاملة عاشتها عائلة "الأعرج" بين التنكيل والتهديد والاستدعاء لم تعلم خلالها عن باسلها شيئًا، إلى أنْ علمت ما حصل في النهاية من وسائل الإعلام التي أذاعت نبأ استشهاد ابنها بعد اشتباك مسلح في السادس من آذار، دام ساعتيْن في منزل كان يتحصنه، في مدينة البيرة في رام الله.