نبيل عمرو - النجاح - كثير من البلدان والشعوب المجتمعات والنظم، تعرضت لحروب داخلية سالت فيها دماء كثيرة وتهددت كياناتها بالتمزق وتلاشي الدولة.

غير ان كل هؤلاء الذين نجحوا في الحفاظ على كياناتهم ، او الذين يحاولون حتى الان قد اكتشفوا ان خروجهم من التحدي المصيري لا يكون الا بترسيخ وئام داخلي بين الاجتهادات السياسية والعقائدية والتحالفية، في اطار كيان واحد يحكمه دستور واحد وسلطة واحدة  تستمد شرعيتها وحدود صلاحياتها من الشعب صاحب الدستور والدولة .

الدول التي عصفت بها الخلافات والاقتتال الداخلي والتدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، هي ليست بأي حال دول ثانوية، بل هي في واقع الامر اهم دول تشكل كينونة العالم العربي واستمرار التعاطي معه كقوة يحسب لها حساب في عالمنا المعاصر.

كل هذه الدول التي عصفت بها حروب داخلية وتدخلات خارجية، ليست واقعة تحت احتلال اجنبي بل هي دول احتفظت بشخصيتها الاعتبارية، فلم يسحب اعتراف العالم بها كدول ولم تمزق بصورة نهائية كيانيتها الوطنية ولو انها تضررت بصورة عميقة.

هذا التوصيف العام للمحيط العربي الذي هو المحيط الاستراتيجي للقضية وللشعب الفلسطيني، ينبغي ان يحفزنا كفلسطينيين لنضع اقدامنا على الطريق المؤدي الى الخروج الامن ولو نسبيا من الخطر الذي يهدد حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني، والذي يعمل بسرعة قياسية على الأرض وعنوانه المتداول صفقة القرن.

الجزائريون نزلوا الى الشارع وزعزعوا اركان الجمود الذي فرضه عليهم الاستخدام المجحف لمصطلح الشرعية التاريخية، فتجاوزا القوى السياسية التي تعتاش عادة على صراع اقتسام السلطة، وارغموا الجيش الوطني على تبني مطالبهم وها هم يتحضرون لانتخابات تشريعية ورئاسية في المدى القريب.

والدولة والمجتمع الأقرب الى قلوبنا والتي نعتبرها مستشارنا الصادق تونس، دخلت لمرحلة دقيقة في صراع داخلي اوشك على ان يودي بالدولة والنظام، الا انهم تمكنوا من الابتعاد عن شفير الهاوية وتأمين فرص للنجاح في الحفاظ على الدولة والمجتمع.

والسودان التي جاعت وعريت وانقسمت في ظل نظام جامد وديكتاتورية متخلفة، بدأ بالتخلص من قيود تلك الحقبة المأساوية وها هم هناك يتفقون على المخرج ، ودوافع التفاؤل بالنجاح باتت اقوى من التشاؤم بالفشل .

وام الدنيا وامنا كذلك مصر، فرغم انها وعلى الدوام الهدف المركزي للقوى التي تسعى لاضعافها واضعاف الامة المتعلقة بها، ففي مرحلة معينة كدنا وشعب مصر نصل الى حافة انهيار الدولة، وتحول هذا الكنز التاريخي والاستراتيجي الى كيان ضعيف تمزقه صراعات عقائدية وطائفية، وما تجر هذه الصراعات من تبعات توقف نمو أي دولة ومجتمع وتقضي على تأثيره الإقليمي والدولي.

الفلسطينيون الذين راقبوا المشهد من اول يوم الى الان، ما زالوا بعيدين عن الاستفادة من الدروس التي حملتها الاحداث الدامية في محيطهم الاستراتيجي، ومع انهم الأكثر احتياجا من أي كيان آخر الى تفاهم داخلي ورسوخ في وحدة وطنية وتوحد كياني وامتثال جماعي لمتطلبات الصمود، وهم الوحيدون الواقعون تحت احتلال مباشر جر احتلالات متعددة غير مباشرة، يمكن تسميتها باحتلالات النفوذ، الا ان الفلسطينيين الذين يعيشون هذا الواقع على جلودهم ما يزالون متشبثين بسجن صنعوه بأنفسهم ولانفسهم فمع يقين الجميع بأن ما يبيت لهم هو تصفية نهائية لحقوقهم، واحتمالات استقلالهم الا ان هذا الاجماع في التحذير من الخطر ينهشه صراع داخلي بين اقطاب الحياة السياسية الفلسطينية، وهو صراع شمل لأول مرة وحدة الوطن والمجتمع بعد ان كان صراعا مشروعا بين سلطة ومعارضة

فماذا نفعل حيال ذلك؟ لماذا لا نؤدي بديهيات وضرورات الحد الأدنى للحفاظ على الذات وارضنا الوحيدة التي نقف عليها هي الوحدة الوطنية ؟ لماذا تفرقنا مغانم السلطة الهزيلة ولا يوحدنا الخطر الماحق الذي يقف على ابوابنا؟

لماذا توصلت كل الكيانات التي كادت تنهيها الصراعات الداخلية الى مخارج ونحن لا نفعل؟

انها المعضلة التي لم نرى حتى الان محاولة جدية للخروج منها وهذا ما جعلني أقول واختار عنوانا لهذه المقالة " ما زلنا في المعضلة " ان نفعل ما فعله الاخرون لإنقاذ بلدانهم مع اننا اكثر احتياجا لهذا الانقاذ فنحن ما زلنا تحت الاحتلال.

للخروج مما نحن فيه وما زال هنالك إمكانية لذلك، ولتجنب فوضى الشوارع والتدخلات المتربصة، فما زال بيد الشرعية الفلسطينية ما يمكن اتخاذه من قرارات لتأهيل الشعب الفلسطيني كي يواجه صعوبات المرحلة القادمة ، ودائما نقول ان المخرج المضمون يصنعه شعب تدير شؤونه الداخلية والخارجية مؤسسات متقنة الصنع أساسها صندوق الاقتراع.