غزة - خاص - النجاح - ازدهرت حرفة الغزل والنسيج، تاريخياً في مدن فلسطينية عدة؛ فعلى مر العهود كانت مدينتا المجدل وعسقلان الساحليّتان تصنعان السجاد وتصدرانه إلى أوروبا عبر القوافل التجارية المسافرة بحراً، وعقب حدوث النكبة الفلسطينيّة في عام 1948، هاجر أهالي المجدل وعسقلان إلى قطاع غزة، وهذا أدى إلى انتشار هذه الحرفة في قطاع غزة.

الحاج الفلسطيني "أبو حنفي" الصواف يعد آخر الحرفيين الذين حتى هذه اللحظة يمتهنون نسج "الصوف"، وغزل "السجاد والبُسُط" باستخدام "النول الخشبي" في قطاع غزة .

وبعد أن توارثها أكثر من 5000 عام عبر الأجيال المتعاقبة، بات محل أبو حنفي مزاراً لمئات المواطنين والوافدين الأجانب الذين يبحثون عن السجاد والصوف التراثي الجميل، رغم غزو السجاد المستورد للأسواق.

وكعادته التي لم يغيرها منذ عشرات السنين، يتوجه أبو حنفي ، صباح كل يوم إلى محله الصغير الكائن شرقي مدينة غزة، ويفتح أبوابه؛ ليعرض ما بداخله من أبهى وأجود أنواع السجاد والصوف، التي زاد جمالَها

يقول أبو حنفي، ل"النجاح" : ورثت هذه المهنة عن والدي الذي هو الآخر ورثها عن أجداده في سلسلة تمتد لمئات السنوات، و أحاول بكل قوة وإصرار وعزيمة، أن أحافظ عليها وأورِّثها لأبنائي من بعدي؛ لما لها من جمال لا يوصف يحافظ فيه على الهوية والتراث الفلسطيني".

وتابع: "رغم انتشار السجاد المستورد من دول عديدة، خاصة الصين وتركيا وإيران، فإن السجاد اليدوي الفلسطيني الذي عمره أكثر من5000 عام، لا يزال يتربع على عرش الجودة والجمال والتراث على مستوى فلسطين والدول العربية، وسجادنا وصوفنا الذي تنتجه عائلتنا منذ أكثر من 400 عام، تجاوز الانتشار والتوزيع والبيع في الدول العربية؛ بل وصل إلى العواصم الأوروبية مثل باريس ولندن وواشنطن".

جدير بالذكر أن أبو حنفي الذي يعتبر آخر الأجيال التي لا تزال تعمل بالصوف اليدوي، وأنه قد اشتقت من هذه المهنة اسم عائلة الصواف.

وأوضح أن السجاد والصوف كافة يصنع يدوياً فقط باستخدام آلة "النول" اليدوية، ويجري تجهيز السجاد والصوف خلال ساعات طويلة من التعب والجهد الكبيرين، ومن ثم يُعرض للبيع للمواطنين والأجانب بأسعار مناسبة وفي متناول الجميع.

ويستخدم الحرفيون آلة "النول" اليدوية في صناعة السجاد والبسط، وهي الأداة الرئيسية المستخدمة في غزل السجاد، وهو جهاز خشبي غير آلي يحتوي على 400 خيط مصفوف بشكل متوازٍ، وتعلوه قطعة خشبية تسمى المشط، وتعمل على تشبيك الخيوط بعضها ببعض بشكل متساوٍ ومتلاصق تماماً دونما إحداث فراغ أبداً، كما يحتوي النول على قطعة خشبية أخرى تسمى ـالمطواية، تعمل على لف السجاد.

وأشار الحاج أبو حنفي، إلى أن مهنته فعلياً تقاوم الموت والاندثار، حتى بات لا يوجد بالقطاع أو على مستوى فلسطين أي حرفي يمارسها؛ نظراً لصعوبتها ومتطلباتها الكبيرة من الجهد والعطاء، ولكنه استطاع أن يخلد فيها التراث الفلسطيني رغم كل العقبات والعراقيل.

وفي إطار تطور هذه الحرفة، فقد أصبح تصميم البساط العربي لا يقتصر على أرضيات المنازل فقط، كما كان قديماً، فالتطور جعله يستخدم كجداريات ومعلقات داخل الفنادق، والمؤسسات كقطع أثرية تعبر عن هوية البلد، وتجري زخرفة البسط العربية اليدوية بأشكال هندسية وخيوط صوفية ملونة، تعطي لها رونقاً جميلاً.