النجاح الإخباري - رامي مهداوي - النجاح الإخباري - ماذا لو كان الركاب عرباً؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى افتراضياً، لكنه في الحقيقة يذهب إلى مكان أعمق بكثير من حادثة طائرة عابرة. إنه سؤال عن الطريقة التي تُوزن بها حياة البشر في فضاء الإعلام والسياسة، وعن الفارق الغامض بين مأساة تتحول إلى قصة عالمية، ومأساة أخرى تنتهي في نشرة أخبار باعتبارها رقماً إضافياً.
رحلة "فلاي دبي" المتجهة إلى "تل أبيب" تحولت إلى لحظات من الرعب، بعد حادث داخل قمرة القيادة أدى إلى هبوط حاد للطائرة، قبل أن يتدخل عدد من الركاب وأفراد الطاقم، ويتمكنوا من السيطرة على الموقف والهبوط اضطرارياً في تبوك. فجأة، لم تعد المسألة مجرد حادثة جوية؛ أصبح الركاب أبطالاً، وأصبحت شهاداتهم وصورهم وقصصهم مادة إعلامية واسعة، وتدخلت شخصيات سياسية في الاحتفاء بمن ساهموا في إنقاذ الطائرة.
ولا شيء في ذلك يثير الاعتراض من حيث المبدأ. الإنسان الذي يخاطر بحياته لإنقاذ حياة الآخرين يستحق التقدير، والركاب الذين عاشوا دقائق الرعب يستحقون أن تُسمع أصواتهم، وأي حادث يهدد حياة مئات المسافرين يستحق تحقيقاً مهنياً شفافاً. المشكلة ليست في أن القصة أخذت اهتماماً واسعاً، بل في السؤال الذي لا نكاد نجرؤ على طرحه: هل كانت ستأخذ الاهتمام نفسه لو كان الركاب عرباً؟
ماذا لو كانت الطائرة تقل مئات العرب، وكانت الرحلة بين عاصمتين عربيتين، ووقعت فيها الحادثة نفسها، وتصرف الركاب بالشجاعة نفسها، وأنقذوا الطائرة والأرواح بالطريقة نفسها؟ هل كانت صورهم ستتصدر الشاشات؟ هل كانت وسائل الإعلام العالمية ستبحث عن أسمائهم، وتروي قصص عائلاتهم، وتعيد بناء دقائق الخوف التي عاشوها؟ هل كان سياسيون سيستقبلونهم ويصفونهم بالأبطال؟ وهل كانت قصتهم ستتحول إلى رواية إنسانية تتجاوز حدود الحادث نفسه؟
قد تكون الإجابة نعم، وقد تكون لا. لكن مجرد اضطرارنا إلى طرح السؤال يكشف شيئاً يستحق التفكير. فالطائرة، في لحظة الخطر، لا تعرف جنسية من على متنها. لا تسأل عن الدين، ولا عن العرق، ولا عن الموقف السياسي، ولا عن جواز السفر. حين تهوي مئات الأمتار في دقائق، يصبح الخوف لغة بشرية واحدة، وتصبح النجاة غريزة مشتركة، ويصبح الإنسان هو الهوية الوحيدة التي تبقى.
لكن العالم بعد الهبوط لا ينظر دائماً إلى الإنسان بالعين نفسها. هناك ضحايا يتحولون إلى قصص كاملة: أسماء وصور وأمهات وآباء وأطفال وأحلام وخوف ونجاة. وهناك ضحايا يتحولون إلى أرقام. هناك موت يفتح نشرات الأخبار، وموت آخر يمر في أسفل الشاشة، لأن المشهد أصبح مألوفاً، ولأن الضحية تنتمي إلى منطقة اعتاد العالم أن يختصر مآسيها في الإحصاءات.
وهنا تصبح المقارنة مع الفلسطيني والعربي أكثر قسوة. فكم من فلسطيني مات في السنوات الأخيرة دون أن يصبح موته قصة إنسانية عالمية؟ كم من أم انتظرت ابنها ولم تصل قصتها إلى الصفحات الأولى؟ كم من طفل حمل اسماً ووجهاً وحلماً، ثم اختصر في رقم ضمن "حصيلة الضحايا"؟
المسألة ليست أن مأساة "فلاي دبي" لا تستحق الاهتمام. على العكس، كل حياة تستحق الاهتمام. وكل إنسان ينجو من الموت يستحق أن تُروى حكايته. لكن العدالة الإنسانية تبدأ حين نطالب بأن يكون هذا المعيار قابلاً للتطبيق على الجميع.
لا ينبغي للإنسان أن يصبح أكثر إنسانية لأنه إسرائيلي، ولا أن تقل قيمة حياته لأنه عربي أو فلسطيني. والأكثر إثارة للقلق أن الحوادث التي تقع في منطقتنا لا تبقى طويلاً في إطارها الإنساني. سرعان ما تدخل السياسة والأمن والهوية في تفسيرها. وفي حادثة "فلاي دبي" نفسها، ظهرت مبكراً قراءات تتحدث عن الإرهاب ومحاولة إسقاط الطائرة، بينما ظل التحقيق الرسمي ضرورياً لتحديد حقيقة ما جرى ودوافعه. وهنا تظهر قيمة التريث: الحقيقة ليست الرواية الأولى التي تصل إلى الشاشة، والاتهام ليس بديلاً عن التحقيق.
لكن ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية: من يملك حق تعريف الضحية؟ الإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث؛ إنه يمنحها المعنى والمساحة والذاكرة. وعندما تصبح مأساة معينة قصة عالمية، بينما تصبح مأساة أخرى رقماً عابراً، فإننا لا نكون أمام اختلاف في التغطية فقط، بل أمام اختلاف في ترتيب الاهتمام الإنساني.
ربما لهذا السبب يجب ألا يكون السؤال: لماذا حظيت قصة رحلة "فلاي دبي" بكل هذه الضجة؟ بل: ماذا لو كان الركاب عرباً؟
ماذا لو كان الذين اقتحموا قمرة القيادة لإنقاذ الآخرين عرباً؟ ماذا لو كانت أمهاتهم ينتظرنهم في مطارات عربية؟ ماذا لو كانت صورهم تحمل ملامحنا، وأسماءهم أسماء أبنائنا، وحكاياتهم حكايات عائلاتنا؟
هل كانت البطولة ستبقى بطولة؟ هل كان الخوف سيبقى خوفاً؟ هل كانت الحياة ستبقى حياة؟
الجواب الأخلاقي يجب أن يكون بديهياً: نعم.
لكن العالم لا يصبح أكثر عدلاً عندما نطالب بأن يُروى الألم العربي بالطريقة نفسها فقط؛ يصبح أكثر عدلاً عندما لا نحتاج أصلاً إلى أن نسأل عن جنسية الضحية كي نقرر مقدار اهتمامنا بها.
لقد هبطت طائرة "فلاي دبي" في تبوك، وانتهت لحظات الرعب بالنسبة إلى ركابها. لكن السؤال الذي تركته وراءها لم يهبط معها. إنه لا يزال معلقاً في سماء هذه المنطقة:
ماذا لو كان الركاب عرباً؟