رائد الدبعي - النجاح الإخباري - في بلادنا، حيث استُهلكت الكلمات حتى فقد بعضها معناه، وحيث صار من السهل أن تُصنع البطولة في خطاب، وأن تُباع للناس الأوهام في أثواب من الشعارات الكبيرة، يصبح العمل الصامت موقفًا، ويصبح البناء في حد ذاته فعلًا وطنيًا.

فثمة فرق شاسع بين من يستثمر في انفعال اللحظة، ومن يستثمر في مستقبل الناس،  بين من يمنح الجمهور ما يريد أن يسمعه، ومن يمنح الوطن ما يحتاج إليه لكي يعزز صمود وبقاء أبناءه،  وبين من تشغله صورته في عيون الناس، ومن يشغله شكل البلاد بعد عشرين عامًا، ثلاثون،  وربما بعد مئة من اليوم.

تستحق تجربة جامعة النجاح الوطنية التي شيد بنائها الحديث الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله أن تُقرأ بعيدًا عن ضجيج السياسة اليومية، ومن زاوية ربما تكون أكثر إنصافًا،  ماذا يبقى من المسؤول بعد أن تنتهي المناصب،  فالمناصب، مهما علت، عابرة، أما المؤسسات فتبقى، والفرق كبير بين من يمر بالمؤسسة فتضاف إلى سيرته، ومن يمر بها فيضيف شيئًا إلى سيرتها، يطورها، ويحيلها إلى منصة للعلم، وصرح للتنمية، وبيرق عالي يشار له بالبنان.

ولعل جامعة النجاح الوطنية واحدة من أبرز الشواهد على هذه الفكرة، ففي سنوات كانت فلسطين تعيش فيها تحت وطأة الاجتياحات والحصار وعدم اليقين، كان من السهل أن يصبح البقاء نفسه حجة لتأجيل الأحلام الكبرى، غير أن التفكير الاستراتيجي يبدأ أحيانًا من رفض الاستسلام لمنطق اللحظة،  لأن الذين يبنون للمستقبل لا يسألون فقط عما تسمح به الظروف اليوم، وإنما عما يحتاج إليه أبناؤهم غدًا.

وفي الوقت الذي كانت فيه الجغرافيا الفلسطينية تضيق بالحواجز خلال مطلع القرن الجاري مع انتفاضة الأقصى، كانت الجامعة تتسع، وكانت المباني والمختبرات والكليات تنمو، كأنها تقول إن الأرض التي يُراد لها أن تضيق بأهلها تستطيع أن تتسع بالعلم والمعرفة، ففي حين كانت دبابات الاحتلال تجتاح البلدة القديمة بنابلس لتهدم التاريخ، كان قرار الدكتور رامي الحمد الله ببناء صرح للمستقبل يتمثل بالحرم الجامعي الجديد " الاكاديمية " .

ولم يكن بناء الجامعة وتطويرها توسعًا عمرانيًا فحسب، بل كان استثمارًا طويل الأمد في الإنسان الفلسطيني. فالجامعة التي تمنح شابًا علمًا وفرصة وأفقًا، تمنحه سببًا إضافيًا لكي يؤمن بأن مستقبله يمكن أن يُصنع هنا، وأن فلسطين  وطنًا يستحق أن نبني فيه ما يحتاج إليه القادمون بعدنا.

ومن الجامعة امتدت الفكرة إلى الصحة، فالمعرفة وحدها لا تكفي لبناء مجتمع قادر على الصمود، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يشعر بمعنى الوطن إذا اضطر، في أكثر لحظاته ضعفًا، إلى البحث خارجه عن حقه في العلاج.

ومن هنا يمكن قراءة تجربة مستشفى النجاح الوطني الجامعي باعتبارها جزءًا من الفكرة ذاتها التي قادها ذات الشخص، الدكتور رامي الحمد الله، وهي توطين القدرة الفلسطينية، والإصرار على أن ما يستطيع الطبيب الفلسطيني أن يتعلمه ويقدمه في الخارج، يستطيع أن يقدمه أيضًا لأبناء شعبه على أرضه.

وحين يجري الاستثمار في علاج السرطان وأمراض الكلى والجراحات المعقدة والتخصصات الدقيقة، فإن المسألة تتجاوز إضافة خدمة طبية جديدة. فخلف كل خدمة يتم توطينها مريض كان سيضطر إلى السفر، وأسرة كانت ستعيش قلق التصاريح والحواجز والانتظار، وطبيب فلسطيني يجد مساحة أوسع لكي يمارس علمه في وطنه.

ومع العمل على إنجاز مستشفى متخصص للأطفال والولادة، تتسع الفكرة أكثر،  لأن الأمر لا يتعلق بإضافة مبنى إلى المشهد، وإنما ببناء قدرة فلسطينية جديدة، وبحق الطفل الفلسطيني في أن يبدأ حياته داخل منظومة صحية تليق به، وبحق الأم في أن تجد الرعاية التي تحتاج إليها في وطنها.

هذه المشاريع تقول شيئًا أعمق من أرقامها ومساحاتها وتكاليفها. إنها تقول إن الاستثمار الحقيقي في فلسطين هو الاستثمار في الإنسان، وإن الصمود ليس كلمة سياسية مجردة، بل جامعة يتعلم فيها شاب، ومستشفى يجد فيه مريض علاجه، وفرصة تمنح لعقل فلسطيني كي يبقى ويبدع هنا.

غير أن بناء الوطن لا يكتمل بجامعة تصنع المعرفة ومستشفى يحمي الحياة، فالدولة التي نريدها تحتاج كذلك إلى مؤسسة تصون حق الناس في الاختيار.

ومن هنا تأتي تجربة الدكتور رامي الحمد الله في قيادة لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بوصفها امتدادًا آخر لفكرة المؤسسة،  فالانتخابات في فلسطين ليست عملية تقنية بسيطة، ولا يومًا تفتح فيه الصناديق صباحًا وتغلق مساءً،  إنها تجري تحت احتلال، وفي جغرافيا ممزقة بالحواجز والقيود، وفي مجتمع أثقلت الانقسامات السياسية ذاكرته وأضعفت سنوات غياب الاستحقاقات الديمقراطية ثقته بالعملية السياسية،  وفي مثل هذا الواقع تصبح نزاهة المؤسسة وشفافيتها واستقلاليتها ضرورة وطنية، لأن المواطن لا يستطيع أن يؤمن بصوته إذا لم يؤمن أولًا بالمؤسسة التي تحمي هذا الصوت.

وحين تولى الحمد الله رئاسة لجنة الانتخابات المركزية عام 2024، عاد إلى مؤسسة يعرف تفاصيلها منذ سنوات، بعد أن سبق له أن شغل موقع أمينها العام، وفي قيادته للجنة برز الحرص على تكريس صورتها كمؤسسة مهنية تقف على مسافة قانونية واحدة من المتنافسين، وتفتح العملية الانتخابية أمام الرقابة والإعلام ووكلاء القوائم، انطلاقًا من حقيقة بسيطة: الشفافية لا تُعلن، بل تُمارس.

وقد شكلت الانتخابات المحلية لعام 2026 اختبارًا حقيقيًا لهذه القدرة المؤسسية، ولا سيما في دير البلح، وسط واقع غزة المثقل بالحرب والدمار والنزوح وغياب كثير من مقومات الحياة الطبيعية.

هناك لم يكن السؤال كيف يمكن تطبيق الإجراءات في ظروف مثالية، فالظروف المثالية لم تكن موجودة أصلًاـ كان السؤال: كيف نحمي حق الناس في المشاركة بما هو متاح،  وحين تعذر توفير بعض المستلزمات بالطريقة المعتادة، جرى البحث عن بدائل محلية، وصُنعت صناديق الاقتراع من المواد المتاحة داخل القطاع، وطُبعت أوراق الاقتراع هناك، وكُيّفت الإجراءات مع واقع انقطاع الكهرباء والظروف الاستثنائية.

وقد تبدو هذه تفاصيل صغيرة في تقرير انتخابي، لكنها تختصر فلسفة كاملة في الإدارة: المؤسسة الجادة لا تجعل صعوبة الظروف ذريعة للعجز، بل تبحث، في حدود القانون والممكن، عن طريق لإنجاز المهمة.

وهنا تلتقي التجارب الثلاث، رغم اختلاف ميادينها، فالجامعة تبني العقل، والمستشفى يصون الحياة، ولجنة الانتخابات تحمي حق الإنسان في الاختيار، وهذه ليست مؤسسات متشابهة في وظائفها، لكنها تلتقي في معنى أكبر منها جميعًا: بناء الدولة قبل اكتمال الدولة.

فالدولة لا تبدأ يوم نرفع علمًا فوق مبنى، ولا تكتمل بنشيد أو ختم رسمي. الدولة تبدأ قبل ذلك بكثير، حين نبني جامعة قادرة على إنتاج المعرفة، ومستشفى قادرًا على حماية حياة الناس، وإدارة تحترم المواطن، ومؤسسة انتخابية تصون إرادته.

الدولة تبدأ حين يصبح القانون أقوى من المزاج، والمؤسسة أبقى من المسؤول، والخدمة العامة حقًا للإنسان لا منّة عليه، ولهذا فإن السيرة الحقيقية لأي مسؤول لا ينبغي أن تُقرأ من خلال قائمة المناصب التي شغلها. فالمنصب يبدأ وينتهي، والكرسي الذي يجلس عليه شخص اليوم سيجلس عليه آخر غدًا. أما السؤال الأكثر عدلًا فهو: ماذا ترك وراءه،  هل أصبحت المؤسسة أقوى، هل فتح بابًا لم يكن موجودًا،  هل منح شابًا فرصة، هل وطّن خدمة كان الفلسطيني مضطرًا إلى السفر من أجلها، هل بنى شيئًا يستطيع الآخرون أن يكملوا فوقه،  وهل ترك للمؤسسة من القوة ما يجعلها قادرة على الاستمرار من بعده.

هنا، في اعتقادي، ينبغي أن نقيس تجربة الرجال في العمل العام، لقد عشنا طويلًا في منطقة تجيد إنتاج الخطباء، وربما حان الوقت لأن نعيد الاعتبار للبنّائينـ، فالوطن لا يحتاج فقط إلى من يستطيع وصف أوجاعه ببلاغة، بل إلى من يستطيع أن يخفف واحدًا منها، ولا يحتاج فقط إلى من يحدث أبناءه عن المستقبل، بل إلى من يضع اليوم حجرًا في أساس ذلك المستقبل.

وفي فلسطين يأخذ هذا المعنى بعدًا أعمق. فنحن لا نخوض معركة على الأرض وحدها، بل على قدرتنا على أن نعيش فوقها بكرامة؛ أن نتعلم فيها، ونتعالج فيها، ونختار فيها، ونمنح أبناءنا سببًا كي يبقوا فيها.

ولذلك فإن كل جامعة نبنيها، وكل مستشفى نفتحه، وكل خدمة طبية نوطنها، وكل طالب نحمي حقه في التعليم، وكل صندوق اقتراع نصون نزاهته، ليس مجرد إنجاز إداري، بل حجر آخر في بيت كبير نحاول، منذ زمن طويل، أن نمنحه اسمًا يليق بكل هذه التضحيات: فلسطين.

وفي زمن يسهل فيه بيع الوهم، تبقى الحقيقة أكثر عنادًا وأطول عمرًا. فالكلمات مهما علت تهدأ، والتصفيق مهما طال ينتهي، والمناصب مهما بدت كبيرة تصبح يومًا جزءًا من الماضي؛ أما الجامعة فتبقى تعلم، والمستشفى يبقى يعالج، والمؤسسة تبقى تخدم الناس.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في وطنه ليس اسمه على جدار، بل جدارًا يحمل سقفًا يحمي الناس، وبابًا يفتح أمام أبنائهم، ومؤسسة تستطيع أن تواصل الطريق من بعده.