النجاح الإخباري - أستاذي الفاضل، قرأت النص باهتمام، وفيه كثير من الحرقة التي نتشاركها جميعا، وكثير من التشخيص الذي لا يصعب الاتفاق معه. لكنني توقفت طويلا أمام العنوان والفكرة المركزية: "خذوا السلطة وأعطونا فتح".

والسؤال الأول، ببساطة شديدة:
من منعكم من فتح؟

مَن قال لك، أو لي، أو لأي فتحاوي، إن إصلاح الحركة يحتاج إلى أن يسلمنا أحد مفاتيحها؟
من منعنا من أن نبادر؟
من منعنا من أن نذهب إلى الناس؟
من منعنا من إعادة الكادر الغاضب، أو احتضان الشباب، أو الدفاع عن المظلوم، أو مواجهة المحسوبية، أو إعادة الحياة إلى المناطق والشعب والأطر والنقابات والجامعات؟

إن كان لدينا مشروع للإصلاح، فتفضلوا.
نحن معكم.

ابدؤوا غدا، بل اليوم.

أما أن نبقى ننتظر أن يقول لنا أحد: "تفضلوا، هذه فتح، أصلحوها"، فهنا تبدأ المفارقة.

ثم هناك سؤال ثانٍ أكثر إرباكا:

تقولون إن المطلوب استدعاء القيادات والكوادر التي قادت الانتفاضات، والشبيبة، والاتحادات، والنقابات، والسجون، ومراحل العمل الوطني المختلفة، لتتولى إنقاذ فتح.

جميل.

لكن، مع كامل الاحترام، أليس عدد كبير من هؤلاء أنفسهم هم الذين كانوا، وما زال بعضهم، في مواقع الحركة والسلطة والمؤسسات والقرار؟

فمن سنجمع لإنقاذ فتح؟

هل سنجمع الأشخاص أنفسهم الذين كانوا في المشهد طوال السنوات الماضية، ثم نقول لهم: تعالوا الآن لإنقاذ المشهد؟

المشكلة، إذن، ليست في العثور على الأشخاص.

لدينا أشخاص كثيرون، ولدينا تاريخ كبير، ولدينا أسماء محترمة، ولدينا خبرات ونضالات لا ينكرها أحد.

المشكلة في طريقة العمل، وفي الثقافة التنظيمية، وفي المؤسسة، وفي قدرتنا جميعا على أن نغير ما اعتدنا عليه.

وأقول "جميعًا" عن قصد.

لأن المشكلة ليست مشكلة اللجنة المركزية وحدها، ولا مشكلة السلطة وحدها، ولا مشكلة جيل بعينه.

هي مشكلتك ومشكلتي ومشكلة كل واحد منا بدرجة من الدرجات.

كل من كان يوما في موقع مسؤولية هو جزء من السؤال.

وكل من امتلك القدرة على المبادرة ولم يبادر هو جزء من السؤال.

وكل من رأى خطأً وسكت عنه، أو انتقد في الجلسات ثم جامل في العلن، أو رضي بالمحسوبية عندما كانت في صالحه ورفضها عندما أصبحت ضده، هو جزء من المشكلة أيضا.

وهذا الكلام يبدأ مني قبل أن أوجهه إلى غيري.

لذلك لا أستطيع أن أقتنع بسهولة بصورة تقول إن هناك "هم" أخذوا السلطة، وفي الجهة الأخرى "نحن" الطاهرون الواقفون خارج التجربة ننتظر أن يعيدوا إلينا فتح.

كلنا كنا في التجربة.

وبعضنا كان في مواقع سلطة، وبعضنا في مواقع تنظيم، وبعضنا في مؤسسات ونقابات ووزارات وهيئات، وبعضنا كان قريبا من القرار.

ومن كان في موقع بالأمس، من حق الجيل الجديد أن يسأله أيضا:

ماذا فعلت حين كنت هناك؟

ماذا غيرت؟

ماذا منعت؟

وأي نموذج تركت وراءك؟

ليس بهدف المحاكمة، بل حتى لا نعيد تدوير الأشخاص والأفكار بالطريقة نفسها، ثم نتوقع نتيجة مختلفة.

أما السلطة التي يقال: "خذوها"، فالقصة ليست بهذه البساطة أيضًا.

فالذين يعملون في السلطة ليسوا شعبا آخر.

عدد كبير منهم أبناء فتح، ومن كوادرها ومناضليها، ومن الأجيال نفسها التي يتحدث عنها النص بكل تقدير.

فكيف نفصل الناس إلى فريقين بهذه السهولة:
هؤلاء "أهل السلطة"، وهؤلاء "أهل فتح"؟

المشكلة ليست أن واحدا أخذ السلطة والآخر حُرم من فتح.

المشكلة أن الحدود بين الحركة والسلطة اختلطت، وأن هذا الاختلاط أنتج أخطاء تحتاج إلى إصلاح مؤسسي حقيقي.

وهذا شيء مختلف تماما عن أن نقول:

"خذوا أنتم هذه، وأعطونا نحن تلك".

ففتح ليست قطعة أرض نُجري عليها مقايضة.

وليست عقارا يحتاج إلى إخلاء مستأجر وتسليمه لمالك جديد.

وإذا كانت فتح سفينتنا جميعا، ودخل الماء إلى جزء منها، فلا معنى لأن نقف على سطحها نقول للقبطان: خذ أنت القيادة، وأعطنا السفينة حتى نصلحها.

يا جماعة الخير، نحن أصلا داخل السفينة.

وإذا ظل كل واحد ينتظر الآخر حتى يبدأ بسدّ الثغرة، فسيدخل الماء إلى الجميع، وحينها لن يسأل من كان في غرفة القيادة ومن كان على سطح السفينة. سيغرق الجميع ؟!

لذلك فإن السؤال ليس:

مَن سيعطينا فتح؟

السؤال الحقيقي:

ماذا سيفعل كل واحد منا اليوم من أجل فتح؟

هل عندك فكرة؟ تفضل.

هل عندك مبادرة؟ ابدأ.

هل تستطيع جمع مئة شاب؟ اجمعهم.

هل تستطيع إصلاح منطقة؟ أصلحها.

هل تستطيع إعادة عشرة كوادر ابتعدوا؟ افعل.

هل تستطيع مواجهة محسوبية؟ واجهها.

هل تستطيع أن تقول "لا" عندما يكون القول مكلفا؟ قلها.

هنا يبدأ الإصلاح.

أما أن نقف جميعا حول المريض، وكل واحد منا يشخّص حالته بدقة مذهلة، ثم ننتظر من شخص آخر أن يبدأ العلاج، فسنصبح بعد قليل أفضل خبراء في وصف المرض ،،  بينما يبقى المريض كما هو.

نعم، فتح تحتاج إلى مراجعة عميقة.

وتحتاج إلى فصل أوضح بين الحركة والسلطة.

وتحتاج إلى إعادة اعتبار للمؤسسة والكادر والعمل الجماهيري.

وتحتاج إلى جيل الشباب بقدر حاجتها إلى خبرة المناضلين القدامى.

وتحتاج إلى وقف المحسوبية والشللية والمناطقية.

وتحتاج قبل كل شيء إلى أن نتوقف عن البحث الدائم عن شخص آخر نحمله المسؤولية كاملة.

لأن فتح، في النهاية، ليست "هم".

فتح هي أنا وأنت وهم ونحن.

وحين تصبح المشكلة "مشكلتهم"، يصبح الإصلاح "مسؤوليتهم".

أما حين نعترف بأنها مشكلتنا جميعا، يبدأ الإصلاح الحقيقي.

ولهذا أقول بمحبة واحترام:

لا تقولوا: "خذوا السلطة وأعطونا فتح".

قولوا:

"هذه فتحنا جميعا.. فمن أراد إصلاحها فليتقدم، وليبدأ من موقعه، ولنر الأفعال لا قوائم المنقذين".

💢 ملاحظة مهمة:
وهذا الكلام أيضا مستقى من أفواه فتحاويين، بعضهم قاله غاضبا، وبعضهم ساخرا، وبعضهم بحسرة:
"يا أخي، من منعنا من أن نبدأ؟ ولماذا ننتظر أن يعطينا أحد ما هو لنا أصلا؟"
وقد نختلف في التشخيص، وفي الأشخاص، وفي الطريق، لكن ربما حان الوقت لأن ننتقل من سؤال: "مَن خرّب فتح؟" إلى سؤال أكثر فائدة وشجاعة:
"ماذا سأفعل أنا لإصلاحها؟".
أخوكم : الدكتور ياسر أبوبكر ، ومجموعة من كوادر  فتح