عبد المجيد سويلم - النجاح - هذا التقدير، بأن الكفّة تميل نحو إيران ليس له في الواقع أي سبب أو أساس بتأييد السياسات الإيرانية، داخليا وإقليميا ودوليا، أو الاعتراض عليها على هذه المستويات الثلاثة، بقدر ما أن هذا التقدير ناتج عن رؤية معادلة الصراع الملموسة بأبعادها المتشعّبة والمتداخلة.
وإليكم الأسباب:
ترى إيران أن الولايات المتحدة عاجزة عن شن حرب حقيقية على إيران في حالة الفشل التام للمفاوضات المزمع إجراؤها مع نهاية هذا الشهر، ولديها من التقديرات أن إدارة بايدن لا تمتلك الأوراق الداخلية الكافية لتسويق حرب كهذه، ومن شبه المستحيل أن تغامر الولايات المتحدة بها في ظل أوضاعها الاقتصادية، وفي ظل برامج بايدن لمعاودة "تعافي" الاقتصاد الأميركي، وفي ظل احتدام التنافس الاقتصادي المحموم مع الصين اقتصادياً وعسكرياً، إلى حد ما، إضافة إلى التنافس العسكري الذي وصل إلى حدود غير معهودة مع روسيا.
ليس هذا فحسب، بل إن التقديرات الإيرانية بأن بايدن ليس بوارد مغامرة كهذه، هي تقديرات "تشاركها" بها أطراف عدة بما في ذلك تقديرات أصدقاء الولايات المتحدة، وأقرب المقربين منها.
وبحدود ما نعرف ونتابع ونراقب، فإن الحرب على إيران تكاد تختفي بالكامل من القاموس السياسي للاتحاد الأوروبي، وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا.
بل وأبعد من ذلك فإن "التهديدات" الإسرائيلية، والتي هي إقرب إلى "العنتريات والهوبرات" إنما تؤكد أكثر من غيرها، وقبل غيرها، أن الإدارة الأميركية عندما تتحدث عن "الخيارات المطروحة" على الطاولة فهي ليست سوى خيارات اقتصادية ومالية إضافية، أملاً في أن تؤدي هذه الخيارات إلى اختناقات سياسية واجتماعية من شأنها "إجبار" إيران على الرضوخ في نهاية المطاف!
أقصد أنه لا يوجد دولة في هذا العالم تعرف حدود المواقف الأميركية أكثر من إسرائيل، بحكم ما نعرفه جميعا من خصوصية وحساسية العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة.
حتى المواقف العربية الخليجية حيال هذا الأمر هي دليل إضافي على أن حدود المواقف والخيارات الأميركية قد حسمت باتجاه "العقوبات"، ولا شيء أبعد من المزيد من هذه العقوبات.
البلدان العربية الخليجية التي اشتمّت "الرائحة" باكراً، بدأت هي نفسها تحاول ترتيب أوراقها من جديد، بعد أن وصلت إلى هذه القناعة، وهي تحاول الآن جس نبض "الانفتاح" على إيران، بصرف النظر عن كل الخطاب السياسي والإعلامي لهذه البلدان، والذي ما زال يبدو وكأنه منفصل عن مواكبة الوقائع التي تجري في منطقة الإقليم.
أما الدليل الآخر على أن الكفة ترجح لصالح إيران في محادثات أو مفاوضات فيينا مع نهاية الشهر الجاري، فهو "تقبل" الولايات المتحدة  [لإزاحة] أخطر وأهم البنود في الرؤية "الترامبية"، والتي كانت هي نفسها أو تكاد، الرؤية الإسرائيلية والرؤية الخليجية، وخصوصا البنود التي تتعلق بمنظومات الصواريخ الإيرانية، و"بتدخلات" إيران في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، أو ما يعرف بالهيمنة الإيرانية على القرار السياسي في العراق وسورية واليمن  ولبنان، إضافة إلى اللعب بالورقة الفلسطينية من بوابة قطاع غزة.
مجرد قبول وتقبل الولايات المتحدة لإزاحة هذه البنود، أو التذرع بتأجيلها من اجل "وقف" عمليات التخصيب المتسارعة حسب المفهوم الغربي كله، هو بمثابة تحسين كبير لشروط التفاوض، ويبعث برسالة إيجابية لوضع إيران في هذه المفاوضات، ويمكنها ولو مؤقتاً من عدم الرضوخ لمساومات ومقايضات هي ليست بحاجة لها على الإطلاق.
ايران تعرف جيدا أن "الكونغرس" الذي وافق على تخصيص أكثر من تريليون دولار فقط لإعادة تحديث البنية التحتية في الولايات المتحدة، لم يكن بأي حال "يتسرع" بموافقة كهذه لو كان يلوح في الأفق أي "بوادر" لحرب على إيران، ولم يكن ممكنا أن يتغاضى المجتمع العسكري الصناعي في الولايات المتحدة عن شأنٍ بهذه الأهمية والخطورة.
ونضيف إلى كل ذلك، بأن الجناح المتشدد في إيران والذي يهيمن بالكامل على القرار السياسي والعسكري في إيران ممثلا بالمرشد ومؤسسته، وبالحرس الثوري، ومصلحة تشخيص النظام، ومؤسسة الرئاسة الإيرانية يجاهرون بأن العقوبات الاقتصادية تفقد فاعليتها يوما بعد يوم، وأن هذه العقوبات وبالرغم من بعض تأثيراتها المباشرة على الاقتصاد الإيراني إلا أنها لم تمنع إيران من القدرة على "التعايش" معها، وتفكيكها بالمفرق إذا لم تتمكن من ذلك بالجملة.
صحيح أن إيران تبالغ كثيرا في قدرتها على ما تسميه "التعايش" مع هذه العقوبات، لكن الصحيح أيضا أن العقوبات لم تتمكن من إخضاع إيران حتى الآن.
وهذا ما يفسر في الواقع إصرار إيران على مسألتين مهمتين:
الأولى، أنه لا مجال للاتفاق على أي تفاوض جديد، وأن التفاوض محصور كليا في العودة إلى الاتفاق، وليس التفاوض عليه.
وأما الثانية، أنه لا مجال للعودة إلى الاتفاق، والذي هو خارج إطار أي تفاوض جديد دون رفع العقوبات كاملة غير منقوصة.
وفي الآونة الأخيرة نسبيا أضافت إيران نقطة جديدة، وهي أن على الولايات المتحدة في حال أن تمت العودة إلى الاتفاق السابق أن تتعهد وتضمن أن لا تعود للانسحاب منه، كما فعل ترامب بعد أن تم التوقيع عليه في عهد أوباما.
بكلمات أخرى تريد إيران أن تضمن في الواقع عدم تعرضها لأي عقوبات جديدة، وإلزام المجتمع الدولي قانونيا بذلك.
إزاء كل هذه الوقائع، ما المتوقع من الجولة الجديدة؟
الاحتمال الأرجح أن لا يتم الوصول إلى أي حلول جوهرية، أو إلى أي اختراق جدي في هذا الملف، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستجابة للشروط الإيرانية، ولأن إيران بالمقابل ليس بمقدورها التنازل عن هذه الشروط، وليست معنية الآن بمثل هذا التنازل.
إعلان الفشل الكامل يفتح الإقليم على احتمالات خطرة، وعلى تحول "العنتريات" الإسرائيلية إلى ما يقترب من المغامرة.
ولهذا فليس من مصلحة إيران، ولا من مصلحة الولايات المتحدة، ولا باقي أطراف المجتمع الدولي الوصول إلى حالة الفشل المعلن.
ولهذا نرجح هذا الاحتمال "أي عدم الوصول إلى اتفاق" لكن دون إعلان فشل، وإعطاء فرص جديدة، وإفساح المجال أمام جولات وجولات قادمة.
يقال إن هناك أكثر من 1500 عقوبة على إيران حالياً، من كل الأصناف، وفي معظم المجالات الحيوية وغير الحيوية، وأن الولايات المتحدة قد وافقت على رفع أكثر من ألف منها، ولذلك فليس مستبعداً أن تكون الجولات القادمة، وأن تتركز على آليات جديدة للتعاطي مع هذا الرفع للعقوبات، وهو المدخل المناسب ـ كما أرى ـ لإبقاء الملف النووي مفتوحاً على التفاوض، وإبقاء رفع العقوبات على جدول الأعمال أيضاً.
في إسرائيل يبحثون عن ثغرة ـ مهما كانت صغيرة ـ لخلط الأوراق، والحديث عن "إجماع" إسرائيلي حول هذا البحث ليس واقعيا ولا منطقيا، ومحاولة الإيحاء بهذا "الإجماع" ليست أكثر من حالة تعبير عن قلق وخوف من أن تتمهد الطريق شيئاً فشيئاً للوصول إلى اتفاق حتى وإن تأخّر موعده عن الأجندات كلها.