نابلس - هاني حبيب - النجاح - تتصاعد حدة التوتر في منطقتنا، الشرق الأوسط، على الصعيدين الميداني العسكري والسياسي الديبلوماسي مع اقتراب موعد محادثات فيينا حول الملف النووي الإيراني بعد أقل من أسبوعين، فعلى الصعيد الميداني، تزايدت خلال الأسابيع الأخيرة المناورات العسكرية التي شملت عدة دول وتحالفات مناورات برية وبحرية، في «المتوسط» كما في الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب، دون أن ننسى المناورات المكثفة التي تقوم بها إسرائيل في عموم فلسطين المحتلة، في الشمال كما في الجنوب، إضافة إلى مشاركتها الفعالة في كافة المناورات التي عمّت ولا تزال المنطقة، وبالتوازي مع هذه المناورات، هناك التهديدات والتحذيرات المتبادلة من أطراف مختلفة تعكس ترجمة لأهداف هذه المناورات غير المسبوقة في هذه المنطقة التي باتت وكأنها الصاعق الذي من شأنه أن ينفجر في كل لحظة، متجاوزاً في ذلك تلك التوترات في البحر الأسود بين الشرق والغرب، بحيث بات الشرق الأوسط هو مقياس التصعيد على المستوى الدولي.
القاسم المشترك على الصعيد العسكري الميداني، هناك إسرائيل في المركز ومن بوابات عدة، توتر في الشمال مع سورية ولبنان وفي الجنوب مع قطاع غزة والأهم في هذا السياق التهديدات حول الملف النووي الإيراني، كل ذلك يجعل من إسرائيل العنوان والمركز لكل هذه التوترات المتصاعدة في المنطقة كمحرّك أساسي تدور في فلكه جملة المناورات والسياسات التي تحاول إسرائيل إخضاعها لرؤيتها ومصالحها.
لذلك فإن الحديث عن الصعيد السياسي، ينطلق أيضاً من الدور المركزي لإسرائيل، وفي الأساس موقفها من الملف النووي الإيراني حيث يبرز في هذا السياق خلافها مع الولايات المتحدة التي لا تزال تلتزم بحل سياسي تفاوضي بهدف العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، بينما ترى إسرائيل أن القدرات النووي الإسرائيلية في تطور مستمر فأصبحت تشكل خطراً على الدولة العبرية ما يوفّر أساساً للاستعداد العسكري والأمني في المواجهة معها، هذا الخلاف أخذ يظهر إلى العلن بعدما كان في الغرف المغلقة، المبعوث الأميركي الخاص بالملف الإيراني روبرت مالي رغم إعلانه قبل وصوله إلى إسرائيل أنّ هناك هدفاً مشتركاً وهو منع إيران من الحصول على سلاح نووي ما يستلزم التنسيق فيما بينهما إلاّ أنه لم يحظ بالاجتماع مع رئيس الحكومة بينيت بزعم أنّ الأمر يتعلّق بالبروتوكول، إلاّ أنّ الواقع يشير إلى أن مالي مغضوب عليه من قبل المستويات السياسية والأمنية في إسرائيل ولا يحظى بتقدير المؤسسة الأمنية وديوان رئيس الحكومة سواء في عهد نتنياهو أم في العهد الحالي، وذلك بسبب الدور الذي لعبه في التوصّل إلى الاتفاق النووي العام 2015 إبان ولاية أوباما، وجهوده في إخراج إسرائيل من المشهد حيث يؤخذ عليه أنّه ساهم في تكريس القناعة لدى البيت الأبيض بضرورة استئناف المفاوضات مع إيران بأي ثمن.
التقرير الصادر قبل أيّام عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب يشير بوضوح إلى أنّ هناك ملفات ثلاثة تثير الخلاف بين إسرائيل وإدارة بايدن: الملف النووي الإيراني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي والملف الصيني، مفسراً هذه الخلافات على ضوء جملة من المتغيرات الداخلية في الولايات المتحدة وانّ على إسرائيل التعامل مع هذه المتغيرات وإعادة النظر في سياساتها مع واشنطن وتجنب الاحتكاك مع الحليف الاستراتيجي الداعم لها.
وبين المجالين، التصعيد الميداني المترافق مع التصعيد السياسي تشير أوساط سياسية وإعلامية في إسرائيل إلى أنه على الرغم من الحرب الأخيرة على قطاع غزة، إلاّ أنّه لا يحتل مكاناً مركزياً خاصاً، لأن إسرائيل لجأت لتبريد التوتر مع القطاع من خلال عدة تسهيلات اقتصادية وإنسانية تتمثل في المزيد من إصدار تصاريح لم الشمل وإدخال أعداد إضافية من العمّال والتجار للعمل في إسرائيل، ووعود بأن يبلغ عدد هؤلاء حوالي 30 ألف مع بداية العام القادم، وما الحراك الأمني المصري – الإسرائيلي المكثف والمركز في الفترة الأخيرة إلا إشارة إلى هذه المساعي الهادفة إلى تبريد جبهة غزة.
مع ذلك، لا يجب التعامل مع هذه الإشارات إلاّ بوصفها محاولة للخداع، لذلك يجب أن تتوفر يقظة واستعداد لكل الاحتمالات، ذلك أن إسرائيل تدرك أنّ اندلاع أي حرب على أي جبهة من شأنه أن يفتح الباب واسعاً أمام توسع هذه الحرب على الجبهات الأخرى ومن بينها جبهة قطاع غزة.