عاطف أبو سيف - النجاح - بلفور لم يكن وعداً.. كان جريمة تستحق العقاب حتى لو مات من ارتكبها؛ لأنها من تلك الجرائم التي تلاحق مرتكبيها ولو بعد مئات السنين. اليوم بعد أكثر من مائة عام على الجريمة التي اقترفها بلفور - والذي قرر أن يسخّر كل طاقات حكومته من أجل مساعدة غرباء يجمعهم من بقاع الأرض الأربع لسرقة بلاد غيرهم - ما زالت آثار تلك الجريمة تتضاعف وما زال الضحايا يتزايدون، وبسبب تلك الجريمة ما زال ملايين الفلسطينيين مشردين يعيشون في ظروف صعبة، كما ما زالت آلة القتل التي ساعد بلفور في صناعتها تواصل ارتكاب المزيد من الجرائم غير مكترثة لقانون أو أخلاق. كل هذه الجرائم المتراكمة يتحمل مسؤوليتها بلفور وحكومته.
أظن أننا لم نفعل الكثير من أجل معاقبة المجرم. لم يكن من الممكن لنا أن نسكت ولا يجب أن نظل ساكتين تجاه إلحاق العقوبة وتجريم الإدانة؛ لأن ما قام به بلفور كان شيئاً غير مسبوق في التاريخ؛ حين قرر أن يعطي ما ليس حقه وينزع من له حق حقه، ويمنح من لا يملك ما ليس ملكه. ببساطة، فإن تلك الجريمة مركبة ومعقدة، صحيح أنها حدثت في ظل هيمنة دوله بلفور على مقاليد الحكم في العالم، لكن هذا لا يعني أن الضعفاء بلا حقوق. القانون وضع من أجل حماية غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم في وجه من يخالفون القانون. ثمة الكثير من المبادرات الفلسطينية والعربية التي سعت لفضح الجريمة التي وصفت بالوعد، فيما كانت حقيقة جريمة مكتملة الأركان، وهي جهود مقدرة وساهمت بشكل كبير في استمرار تسليط الضوء على بشاعة ما اقترفه الرجل سيئ الذكر، جهود تراوحت بين الكتابة عن الفعل الإجرامي الذي قام به إلى عقد محاكمات صورية للمجرم في المدن العربية والفلسطينية، وصولاً إلى التذكير بالفعل الإجرامي كل عام دون نسيان لعنته، وربما الخروج بتظاهرات تشبه تلك التي خرجت قبل مائة عام في يافا والقدس للتنديد به. ومن البلاغة والخطابة إلى المقال الصحافي فالرسم الكاريكاتوري، فعاليات كثيرة كلها صبّت في خانة إيقاظ الحس العام حول خطورة  الجريمة التي ارتكبها رجل بارد الأعصاب بحق شعب قدّم أجداده للبشرية أحرف الهجاء الأولى في التاريخ، كما قدموا للغرب دينه الأول. الكثير من الجهد الذي تم بذله والذي حقق الكثير من الإنجازات التي يجب الاعتراف بها في هذا السياق.
لكن أيضاً نحن بحاجة للمزيد من الفعل حتى نتمكن من إنزال عقوبة ولعنة عليه، وحتى الاقتصاص من دولته التي كانت لها اليد الطولى في تلك الجريمة النكراء. ألا لنتذكر بلفور فقط ملعوناً في أدبياتنا لكنه بين بني قومه رجل سياسة محمود الفعل، بجانب أن ثمة ماكنة حقيقة تقوم بتقديسه في الإعلام حتى تترسخ تلك الصورة الجميلة عنه في وعي مواطني بلده. ليس في بلده فقط، بل في البلدان الأخرى لا يوجد انطباع «تجريمي» في البلدان غير العربية والإسلامية عن الرجل. صحيح أنه ليس قديساً لكنه أيضاً ليس ملعوناً. أظن أننا لم ننجح في تقديم الفعل الإجرامي الذي قام به إلى العالم بوصفه جريمة تستحق العقاب ويستحق المجرم الذي قام بها اللعنة. هنا علينا أن نراجع حالنا. هل نحن بحاجة لكتابة مقالات وإنزال لعنات على الرجل على صفحاتنا أم في الصحافة العالمية خاصة البريطانية لأن على قراء الإنجليزية أن يعرفوا الخطأ الجسيم الذي قام به مواطنهم دون رحمة ولا شفقة. هناك يمكن أن تتم صناعة فرق يساهم في إعادة صياغة مواقف بلدهم الجاحد لحقوق شعب، والتي ساهمت بلا رحمة أيضاً في ذبح حقوقه السياسية.
ليس بلفور وحده، فالمذنب الأكبر أيضاً دولته بريطانيا التي صنعت الاحتلال وغرسته في أرضنا، وسرقت هذه الأرض منا وأعطتها له. المفارقة أننا طوال مائة عام من عمر الجريمة التي قام بها بلفور، وبعد ذلك جريمة توطين الغرباء في بلادنا ثم تسليمها لهم، طوال كل تلك المدة لم يتم رفع دعوى ضد بريطانيا في المحاكم الدولية. قد يكون القانون الدولي لا يساعد، وقد تكون نصوصه قد صيغت بطريقة تحمي بعض المجرمين الكبار من الدول خاصة، ولكن أيضاً هذا لا يعفينا من مهمة البحث عن سبل إدانة بريطانيا كدولة ونظام حكم، وأيضاً محاكمة بعض الساسة والجنرالات الذين ساهموا في إراقة دماء شعبنا. القصة ليست قصة استعراض، بل حقيقة من أجل تجريم ما حدث. على أحدهم أن يعتذر ويقول: لقد اخطأ أجدادي وعلينا أن نصوب الخطأ. بريطانيا مدينة للشعب الفلسطيني باعتذار لا يمكن غفرانه إلا بوقوفها بشكل كامل مع حقوقنا، وتعويضنا عن كل ما ألحقته بنا. هذه الحقيقة يجب ألا تغيب عن بالنا، فالمجرم الحقيقي بحق شعبنا هو ما سرق الأرض وأعطاها لغيرنا. وعليه يجب تطوير سياسة قائمة على ملاحقة كل من أجرم بحق شعبنا حياً وميتاً، قريباً أم بعيداً، فالحقوق لا تسقط بالتقادم وبعض الجرائم لا تسقط مع مرور الزمن.
أليس من سخريات القدر أن تناهض بريطانيا حتى اللحظة حقوقنا السياسية وترفض الاعتراف بنا كدولة ولو على الورق. أمر غير معقول وغير مقبول. السؤال: هل قمنا بما يكفي من جهد من أجل توعية المواطنين البريطانيين بحقيقة ما فعلته دولتهم بنا؟! هنا يقع علينا الكثير من أجل إنجازه وأن نستعيد المبادرة في التأثير على مواقف الدول من أجل الدفع بمناصرتها لنا إلى الأمام إلى مصاف الفعل الحقيقي. في ذكرى جريمة بلفور علينا أن نتذكر كيف أوصل أعداؤنا بلفور للقيام بجريمته بمتعة ودون وازع أخلاقي. وإذا تذكرنا ذلك سيتوجب علينا أن نقوم بالكثير الكثير.