نابلس - عاطف أبو سيف - النجاح - منذ هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، كوسيلة علاقات ومعلومات بين الناس، باتت أيضاً ساحة صراع ينعكس في الكثير من المجالات. وبقدر ما شكّلت هذه الوسائل من فرص، فإنها خلقت تحديات أكبر. بات عالمنا محكوماً بمدخلات ومخرجات تلك الوسائل، وصارت الشركات الكبرى التي تهمين عليها مقررة أيضاً في حياتنا كجماعات وأفراد.
من السهل الافتراض أن هذا تطور طبيعي في نسق انتشار المعلومات عبر التاريخ، فمن التخاطب المباشر والمناداة بين الأفراد إلى نقل الرسائل اليدوية، ومن ثم تدجين الحمام لنقلها، وظهور البريد، وبعد ذلك تطوره مع تطور وسائط نقله عبر البر والبحر ومن ثم الجو، وبعد ذلك وبالتزامن معه ظهور الهاتف وتطوره ومن ثم التليغرام والفاكس. هكذا صارت حياة التواصل بين الأفراد، وهكذا مع كل تقدم في الحضارة تتقدم وسائل التواصل والاتصال بينهم. كانت نبضات الحضارة تعني تقدماً في كل شيء من جهة رفاهية المواطنين، وصولاً إلى أساليب هيمنة الدولة على مرافق وأوجه الحياة.
وعلى مدار التاريخ، أيضاً، كان هذا الصراع قائماً على من يمتلك السيطرة على وسائل التواصل بين الأفراد. ولعلّ سياسات القمع القائمة مثلاً على حظر التجول من أجل منع تجمهر المواطنين، وبالتالي القيام بأي فعل احتجاجي جماعي، انعكاس لهذا الفهم الذي يجعل تواصل الأفراد مادة تهديد يجب أن تتدخل الدولة في تأطير وفي صياغة مخرجاتها. شواهد التاريخ مليئة ولا يمكن حصرها على نموذج، ولكن أيضاً التاريخ لأنه مضى يظل جامداً، أما حكمة التاريخ فإنها تتغير وفق سياقات صناعة الأحداث الكبرى. وربما ما نعرفه الآن سيغدو مألوفاً وقديماً بعد أن ينهار جدار مناعة اللحظة الراهنة. بمعنى أن وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، التي باتت تسيطر على تواصل الأفراد فيما بينهم، ستغدو شيئاً من الماضي ومن الأشياء البالية مع تقدم العلوم وتقدم ثورة المعلومات، وحدوث انفجارات أخرى فيها تزيح كل وسائل التواصل التي نعرفها من «فيسبوك» إلى «تويتر» إلى «إنستغرام» إلى «واتساب» وكل ما نعرفه، وتهيمن الوسائل أو الطرق الجديدة على التواصل بين الأفراد. هذا لن يعني انهيار هذه المنصات أو اختفاءها، بل ألا تغدو الأكثر استخداماً، وعليه الأكثر تقريراً في شكل تواصل الأفراد وترابطهم مع بعضهم البعض. سنتعايش ربما مع وسائط جديدة. ولكن ما أقصده ليس هذا التعايش الذي هو سمة الحياة، فنحن حتى الآن نستخدم الفاكس والهاتف والإيميل (لاحظوا بات الإيميل من الماضي أيضاً) ولكن ليس بنفس الكثافة. أيضاً هذا الانبهار بوسائل التواصل معرض لأن ينتهي ويتراجع. لم يعد نقل المعلومة وتدفقها وكمية ما ينقل في الساعة يهم كثيراً، فبقدر تطور العالم بقدر ما تتم صياغة سياقات أخرى تجعل الأولويات مختلفة. وبقدر ما ساعدت التكنولوجيا في تقريب العالم وتصغيره بقدر ما ساعدت أيضاً في تنامي الهويات الفرعية، وبالتالي الاهتمامات الأصغر والمتناهية الدقة.
هذا التطور وهذه الاحتمالات هي ما يغذي الصراع على وسائل التواصل الاجتماعي، الصراع من أجل السيطرة عليها أو إعادة توجيهها أو اختراع وسائل أخرى (ليس بالضرورة أن تنتظم ضمن نسق وفلسفة الخاصية الاجتماعية لتلك الوسائل المعروفة). لاحظوا مثلاً ما الذي أصاب العالم حين تعطلت تلك الوسائل، وفجأة وجد الفرد نفسه عاجزاً عن فتح صفحته على «فيسبوك» أو التواصل مع أصدقائه على «واتساب». ليس أن الهاتف لم يعد يعمل أو أن الإنترنت توقف، ولكن حقيقة أن الأصدقاء لم يعودا من نفس الدولة، بل يتطلب التواصل معهم تكلفة مالية عالية (اتصال دولي) كما يتعذر التواصل عبر الصورة، أو قراءة أخبار الآخرين من خلال مراجعة صفحاتهم. تعقيدات اجتماعية كثيرة ظهرت دون أن ندركها، ومع شغفنا وإدماننا على وسائل التواصل سيكون التخلي عنها أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. لذلك فإن العالم سيواصل تقدمه في البحث عن تعميق تلك العادات، سواء من خلال تطوير الوسائل القائمة أو من خلال خلقه وسائل جديدة. وفي كل الحالات، فإن هذا الصراع جزء من الصراع الأشمل على التأثير على الأفراد، وبالتالي توظيف هذا التأثير تجارياً أو سياسياً أو اجتماعياً عقائدياً. وهو صراع لن يتوقف حتى في حال حدوث طفرات أخرى تقلب الوضع السائد في أنماط التواصل.
الحادثة الأخرى هو سعي الرئيس الأميركي السابق ترامب لإطلاق منصة تواصل اجتماعي جديدة؛ بعد الضغوطات أو ما يزعمه من مضايقات تعرض لها المحتوى الذي يريد أن يتداوله من قبل المنصات القائمة. الحل بالنسبة لترامب هو خلق منصة خاصة يستطيع من خلالها أن يعبر عن آرائه السياسية والتحريض على خصومه. هذا عبث؟ صحيح ولكن هكذا تصير الأمور. فظهور «الفيسبوك» لم يكن إلا حيلة من طلاب جامعيين للتعرف على أصدقائهم، حتى أنهم اختاروا لتلك الوسيلة اسم الكتاب السنوي للجامعة «الفيسبوك» «كتاب الوجوه» الذي تعرض فيه الجامعة أسماء وصور طلابها ليتعرفوا على بعضهم بعضاً.
ما يقوم به ترامب هو استمرار لهذا الصراع الذي جزء كبير منه تقف خلفه دول. يصعب تخيل أن الدول بريئة من اختراقات الحسابات، ويصعب تخيل حجم تدخل المخابرات الدولية في التأثير على محتويات تلك الوسائل، كما يصعب تخيل أن مثل هذا الصراع سينتهي فجأة وسنجد أنفسنا في سلام بالفضاء الأزرق. ستظل هذه المنصات وتلك الوسائل ساحات صراع، سواء على محتواها وما يتعرض له أصحاب الحسابات عليها من معلومات، أو من خلال البحث عن بدائل جديدة ضمن نسق متنوع من الهيمنة. وعلينا أن نكون مستعدين فجأة للحاق بركب تلك التحولات، حيث ستغدو حساباتنا على بعض المنصات ضرباً من الماضي الذي نواصل استذكاره وربما التمسك به من باب العناد.