هاني حبيب - النجاح - «إذا لم يعد من الممكن حل (النزاع) فيمكن تقليصه»، هذا هو مضمون السياسة الإسرائيلية الجديدة المعلنة إزاء ما تسميه النزاع مع الفلسطينيين، وهنا نتحفظ تماماً على مصطلح «نزاع». فالأمر لا يتعلق بخلاف بين عائلتين أو قبيلتين أو حتى دولتين، فالأصل أنّ هناك صراعاً بين كيان يحتل أرضاً لشعب آخر ومقاومة هذا الشعب لهذا الاحتلال. وإذا ما تجاوزنا مسألة المصطلح إلى مسألة الصراع ذاته، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية بينيت وفي اليوم الأول لتسلمه السلطة تحدّث عن تخفيف الاحتكاك مع الفلسطينيين، بينما تحدث وزير خارجيته لابيد عن تقليل النزاع مقدّما خطته الخاصة التي باتت تحمل اسمه والتي اطلق عليها «الاقتصاد مقابل الأمن»، في تساوق مدروس مع السياسة الأميركية في عهد بايدن فيما يتعلق بعدم أولوية ملف الشرق الأوسط برمته بما فيه مسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في سياق هذه السياسة رغم تمسك واشنطن بحل الدولتين مع إقرارها بعدم واقعيته.
ويمكن أن نلحظ، رغم الاتجاهات المختلفة والمتعاكسة أحياناً للسياسة الإسرائيلية إزاء هذا الصراع، إلاّ أنّ ما يوحّد سياسة بينيت مع سابقه نتنياهو أنهما يلتقيان عند تجاهل متعمّد لهذا الصراع، من حيث التعامل معه بالقطعة بعد تحويله إلى حالة إنسانية تستوجب حلولاً اقتصادية بالدرجة الأولى، مع إغلاق كامل لعملية سياسية حقيقية جادة وفاعلة بالتوازي مع استمرار تعزيز العملية الاستيطانية وبحيث لا يتبقى ما يمكن معه الحديث الجدي عن حل الدولتين، ولعل الفارق في هذا السياق بين حكومتي نتنياهو وبينيت، أنّ الثاني شجّع على لقاء وزراء في حكومته مع القيادة الفلسطينية في حين أنّ ذلك لم يكن ممكناً أثناء حكومة نتنياهو إلاّ على نطاق ضيق للغاية.
لا يبدو أنّ هناك عاقلاً يمكن أن يأخذ حل الدولتين محمل الجد، فقد انتهى هذا الحل من قبل إسرائيل عملياً، وما حديث مختلف الأطراف عنه إلاّ محاولة لإبراء الذمة وخداع يتوارى خلفه إخفاق وعجز كل الأطراف بما فيها مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فضلاً عن المنظومة العربية في إيجاد حل يعتمد على قرارات الأمم المتحدة خاصة بعد أن تخلى العرب عن مبادرتهم.
وبينما كنت أتابع نتائج الانتخابات الألمانية لاحظت أنّ ألمانيا التي من المفترض أن تنشغل بهذه الانتخابات تبدو أيضاً مهتمة لإبراء ذمتها عندما تحدّثت عن سعيها لإطلاق عملية تفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حسب السفير الألماني في عمّان بيرنارد كامب مان قبل يومين، فقد أشار إلى جهود اللجنة الرباعية، وهي غير تلك المأسوف على تواريها لصالح لجنة ميونخ الرباعية التي تضم إضافة إلى ألمانيا كلا من فرنسا ومصر والأردن والتي تشكّلت أوائل العام الماضي وعقدت عدت اجتماعات متتالية ثم غابت بدورها عن الاجتماع والفعل معاً طوال الأشهر الماضية رغم دعوتها المستمرة لتحريك العملية التفاوضية على أساس حل الدولتين.
إننا نرى أن الحديث المتكرر من قبل أطراف عديدة حول العودة إلى العملية التفاوضية وحل الدولتين لا يعود فقط إلى العجز عن إيجاد حلٍ آخر ومحاولة لتبرئة هذه الأطراف كما أسلفنا حول المسؤولية لعدم التوصّل إلى حل عادل وفقاً لقرارات الأمم المتحدة، بل وأيضاً لربما من حيث لا تدري بعض الأطراف تسليماً لما تقوم به الدولة العبرية من خطوات هي الأكثر جدية وفعالية في تجاهل القضية الفلسطينية تماماً وهو الأمر الذي عكسه خطاب رئيس وزرائها أمام الأمم المتحدة، وبحيث يبقى هذا الصراع كما تريده إسرائيل عبر علاقات عامة في إطار حلول اقتصادية بالتوازي مع تعزيز العملية الاستيطانية التي تفرض واقعاً يحول دون التوصّل إلى أي حل وبحيث يتم احتواء هذا الصراع توطئة لحسمه بدلاً عن إدارته كما هو الحال في الوقت الراهن.