نابلس - طلال عوكل - النجاح - محزن الوضع الفلسطيني، ولكن حذار ان يؤدي ذلك الى اليأس واللعنة على كل شيء، الاحتجاجات، الاضطرابات، الغضب لا يزال سائداً دون النظر الى العواقب وربما أهمها انهيار السلم الأهلي. لن يكف المقاومون عن مواصلة المقاومة، كل بما يقتنع من أشكالها، وبما يستطيع القيام به، ولن تكف السلطات عن ممارسة مسؤولياتها، ان هي أخطأت او أصابت وهي على العموم لا تلبي طموحات وتطلعات الشعب الفلسطيني، الانقسام قائم وتتعمق جذوره، وتتسع آثاره السلبية والخطيرة، ولا يملك أي طرف رؤية واقعية للإصلاح قابلة للتحقيق، وان كان هناك من يملك مثل هذه الرؤية، إلا ان حدة الاستقطاب، واختلاف المصالح والحسابات لا يتيحان لأصحاب هذه الرؤية أن يندفعوا بها نحو التحقق.
ثمة إدارة فاشلة في التعامل مع ملف جريمة مقتل الناشط المعارض، نزار بنات، وكان بالإمكان معالجتها، بشكل لا يترك المجال لاستمرار مفاعيلها، الأمر يتعلق بجدية تشكيل لجنة التحقيق، وسرعة عملها وإنجازها ونشر مخرجاتها على نحو شفاف أمام الكل الفلسطيني.
وحتى نكون منصفين في حالة كالتي تخص ملف الجريمة، فإنها لو كانت في مكان آخر غير الضفة، لكانت أيضا عولجت وتم التعامل معها بهذه الطريقة او تلك، والنتيجة واحدة، لا يحق لأحد الادعاء بأنه حريص على حماية الحريات، وفتح المجال أمام حرية التعبير، على النحو الذي يزعج أهل السلطة، ذلك ان سلطاتنا لا تختلف كثيرا عن السلطات العربية، ووجود الاحتلال دائما يقدم الغطاء لكل الممارسات الفاحشة.
لا ينطوي هذا على إدانة او حتى نقد للمغدور نزار بنات رغم حدة مواقفه، وتغريداته، ولكنه يعني في الأساس، تقييما لواقع الطبقة السياسية، وغياب الديمقراطية، وتغييب دور الشعب في صناعة السياسات العامة واختيار ممثليه.
ويذهب الأمر الى سؤال حول طبيعة ممارسة السلطة، التي يعني انها موظفة من قبل الشعب، بينما هي تقلب الأمور، فيصبح على الشعب ان يؤدي وظيفته تجاهها بما تراه مناسبا ويعزز سلطاتها.
كل هذا بعيد كل البعد عن طبيعة حركات التحرر الوطني، سواء من حيث العلاقات البينية بين فصائلها، او بينها وبين الشعب او بينها وبين من يحتل الأرض، ويصادر الحقوق.
الفلسطينيون ليسوا دولة بعد، وأيضا ليسوا حركة تحرر وطني بما ينطوي عليه القول والفعل من اشتراطات.
السلطة تمعن في قمع الحريات، والحق في التظاهر، بذريعة مخالفتها للقانون الذي يفترض الحصول على تراخيص، او إعلام الجهات المعنية لكن الغاضبين لا يرون ان القانون يطبق على نحو عادل، وان ثمة عوارا كبيرا في ممارسته، فإذا كان المعنيون بفرض سلطة القانون غير ملتزمين، ويجدون المخارج لتبرير ذلك، فإن الناس، سيفعلون الشيء ذاته، حين يخرج السهم من القوس، على الكل الفلسطيني، فصائل وسلطات ومجتمعا مدنيا، وحتى العشائر ان يحذروا من ثلاث خطايا، أول هذه المحاذير، يقول بضرورة تجنب الاستقواء على الداخل بالأجنبي، او بالاحتلال، فإذا كان الاحتلال يفرك يديه فرحا بما يجري من استنزاف قوة الفلسطينيين، فإن المجتمع الدولي الفاعل منه، سيجد في ذلك مبررا وذريعة لمواصلة العجز، وتقوية الاحتلال فليس أسهل من ان تكون الحالة الفلسطينية قابلة لرفع العلم الأبيض للادعاء بأن الأجنبي قد أوقف الصداع الناجم عن استمرار الصراع.
ثاني هذه المحاذير، هو ان يستمر الفلسطينيون في تركيز جهودهم المبعثرة والمتناقضة في التعامل مع أوضاعهم الداخلية، فيما المحتل الإسرائيلي يواصل سياساته الإجرامية، الاحتلال يواصل هجماته واقتحاماته يوميا للمسجد الأقصى والمقدسيين، ويواصل هدم البيوت في حي البستان والشيخ جراح، وبطن الهوى، ويواصل الاحتلال توسيع مستوطناته وحماية مستوطنيه الذين يشكلون جيشا، لا يتوقف عن استباحة الشجر، والحجر والبشر في الضفة الغربية، والاحتلال يواصل قمعه ويوسع دائرة اعتقالاته، وإغلاقه للمؤسسات المجتمعية الفلسطينية، كما حصل بالنسبة لاتحاد لجان العمل الصحي، واتحاد لجان العمل الزراعي، واعتقال مدراء المؤسستين. فضلا عن اعتقال المحامي في الهيئة المستقلة فريد الأطرش، وهو مدير مكتب الهيئة المستقلة في الخليل وبيت لحم، ويخضع لمحاكمة بشعة كطبيعة الاحتلال بذريعة مشاركته في وقفات احتجاجية.
ثالث هذه المحاذير، يتصل بما يمكن ان تتجه نحوه الأوضاع في حال استمرار التحرك، المحكوم بشعارات، ودوافع غير منطقية. المحتجون يرفعون شعارات تطالب الرئيس بالرحيل، وتدعو الى إعادة بناء النظام السياسي برمته، اما السلطة ومن والاها، فيتحدثون عن مؤامرة خبيثة تستهدف إسقاط السلطة، الفصائل منقسمة بين الموالاة والمعارضة، وكل له رؤيته وأهدافه سواء تم الإعلان عن ذلك، او لا، لقد فعلت عائلة بنات خيرا حين حذرت من الاستثمار السياسي لقضية المغدور نزار.
الأمر الأساسي يتعلق بالسلم الأهلي أساساً، فثمة مخاوف حقيقية من ان يؤدي استمرار الوضع الجاري الى ما يشبه الاقتتال الداخلي، حتى لو كان ذلك وفق آليات غير صارخة او مباشرة.
يترتب ذلك على أهل السلطة أولا ان يكونوا المبادرين الى إطفاء النيران. فليس من المعقول، ان يتم اعتقال وسحل النساء، والصحافيات، ومعظمهن قامات اجتماعية وكفاحية. وعلى الكل الفلسطيني وأولاً على حركة فتح، وقيادة السلطة ان تتبصر واقع الحال، بعد ان شكل الوضع استفزازا للمجتمع الدولي واستدعى توجيه انتقادات، لقد استبشرنا خيراً ان الشعب الفلسطيني ظهر موحدا كله في مواجهة السياسة الإسرائيلية في القدس والشيخ جراح، وإبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ولكن الأحداث التي تجري على مساحة الوطن أعادتنا الى تعدد الهموم، والاهتمامات، كل في إطار مدينته او قريته او حيه بينما يتشتت الجهد إزاء القضية الوطنية التي يفترض ان يكون الاهتمام بها جامعاً في كل وقت.