نابلس - عبد المجيد سويلم - النجاح - في نمطية الفكر والتفكير السياسي الفلسطيني الدارج، نلاحظ بوضوح تام أن مفهومنا لما يُعرف بالتهديد «الوجودي» لإسرائيل يرتبط أو يميل على أقل تقدير إلى المحتوى الخارجي لهذا التهديد.
لا يخلو الأمر من إشارات إلى دور العناصر المكونة للتهديد الداخلي أحياناً أو عرضاً، وقلّما تؤخذ هذه العناصر كقوة دفع خاصة نابعة [أساساً] من تفاعلات داخلية، وتكاد في معظم الأحيان تعود هذه العناصر «لتستلبس» البعد الخارجي في هذا التهديد.
هذه النمطية في الفكر والتفكير السياسي الفلسطيني لها ما يكفي من التبرير والتفسير، ذلك أن علاقة التداخل بين فعل وتأثير العوامل الداخلية بالخارجية في واقع نشأة وتطور المشروع الصهيوني، وفي وصوله إلى ما وصل إليه من مظاهر القوة والضعف هو واقع قائم (في الماضي والحاضر والمستقبل)، وهو يعكس إلى درجة كبيرة بعض خصائص هذا المشروع.
لم يقتصر هذا النمط في الفكر والتفكير السياسي على الحالة الفلسطينية، وإنما وجد هذا النمط بعض تجلياته في الفكر والتفكير العربي أيضاً.
مفكرٌ من قامة كبيرة، ومن معارف موسوعية في الحقل والمجال، مثل د. عبد الوهاب المسيري ذهب إلى أعلى درجات التجريد العلمي في استخلاصاته البحثية بأن قال ما مفاده الآتي: إسرائيل نشأت وتطورات وتفوقت بفعل عاملين اثنين: الأول، هو الدعم الغربي المطلق، والثاني، هو الضعف العربي المطلق.
لاحظوا أرجوكم هنا أن الدكتور المسيري والذي يعتبر بكل المقاييس باحثاً موسوعياً في هذا الشأن، وواحداً من أهم العلماء العرب تتبعاً ورصداً لكامل تاريخ المشروع الصهيوني لم يركز على دور العوامل الداخلية ودورها عند درجة معينة من مسار تطور هذا المشروع، مع أنه اتى على أدق تفاصيلها في سياق أبحاث عالية القيمة والرصانة العلمية.
خلاصة الأمر هنا أن العناصر، أو الاعتبارات الداخلية أصبحت ـ كما أرى ـ هي المركبات الرئيسة للتهديد الوجودي للمشروع الصهيوني، وأن إسرائيل تعيش اليوم والآن وسط تفاعلات هذه العناصر الداخلية على وجه الدقة والتحديد.
ما هي أدلتي على ذلك؟
لا يتوقع بسهولة أن تلقى فكرة كهذه القبول أو التقبل، بسبب نمط الثقافة السياسية التي أشرنا إليها، وبسبب صعوبة الفصل بين العناصر الداخلية والخارجية في كامل هذا الإطار، لكن الغلبة في الواقع اليوم تميل فعلاً إلى دور العوامل والاعتبارات الداخلية في مشروع التهديد الوجودي للمشروع الصهيوني.
الدليل والإثبات على ذلك يكمن في الإجابة عن السؤال الآتي: هل بمقدور أي كيان سياسي أن يكون في ذات الوقت عنصرياً واقتلاعياً وتوسعياً وعدوانياً واحتلالياً، وقومياً متطرفاً، وتعصبياً دينياً.. و»ديمقراطياً»، ويبقى يحظى بدعم الغرب، وأن يظل متماسكاً وقوياً بالاعتماد فقط على قوته العسكرية أو تفوقه على هذا الصعيد أو ذاك؟
دخلت إسرائيل في السنوات الأخيرة إلى صلب هذه المعادلة، إذ بدأت تتكشف أمامها استحالة التحول إلى دولة قومية متطرفة، وإلى دولة شريعة دينية مغلفة بغشاء (ديمقراطي) متهالك، وإلى دولة استيطانية يحكمها أو يتحكم بمصيرها جماعات مهووسة بالتوسع والضم والتهويد والالتهام، وإلى دولة تحصر الحقوق الوطنية والقومية بدين أو اثنية أو «عِرق»، وبصورة ساخرة ومكشوفة، وإلى دولة يتحول فيها الاعتبار الحزبي والسياسي إلى اعتبار أول، وتتحول فيها المصالح الحزبية والخاصة إلى المحرك الرئيس للسياسات كلها حتى ولو كانت على حساب «المصالح القومية»، وحتى لو أثرت بصورة مباشرة على ركائز وجودية «للدولة القومية»، وتم التلاعب بمصير «الدولة»، بما في ذلك التلاعب «بالتعايش» السلمي في مجتمعها، والتهديد المباشر لمصير هذا السلم.
فإسرائيل اليوم عالقة بالضبط هنا، فهي تسأل نفسها إن كان بالإمكان أن تكون دولة نصف دينية، ونصف علمانية، دولة «أبارتهايد» وديمقراطية، دولة احتلال وضم واستيطان وتهويد وتتوقع السلام، وتستمر في خداع العالم والإقليم وفي خداع نفسها، دولة فيها قضاء مستقل ومنظوماتها السياسية تغطي على الفساد المفضوح، دولة تقول إنها تريد التطبيع مع العرب ونصفها يهتف «الموت للعرب»، دولة تقول إنها متسامحة وسمحة بالحريات الدينية وثلثها على الأقل يجاهر بالكراهية ضد الإسلام ونبيّ المسلمين وضد المسيحية ونبيّ المسيحية؟
جوهر الأزمة أن إسرائيل قد وصلت إلى وضع لم يعد بمقدورها أن تتقدم إلى الأمام ـ إلّا مؤقتاً جداً ـ وتتعايش بهذا الخليط أكثر مما تعايشت حتى الآن.
حان أو يحين الآن، وسيحين بالضرورة قريباً وقريباً جداً، الإجابة عن الأسئلة التي هربت منها إسرائيل، أو عرفت كيف تتهرب منها لأسباب ليس مجالها هنا، وهي بالتالي أمام خيارات كل واحد منها أصعب من الآخر.
كل المخارج «الممكنة» ستؤدي بها، وستعود بها إلى المربع الأول، وإلى السؤال الأول، وإلى المأزق الأول.
لم يعد بمقدورها أن تكابر أكثر مما كابرت، أو أن تتنصل إلى أكثر مما تنصلت أو تتعامى أكثر مما تعامت.
قد تحتاج إسرائيل إلى عقد آخر من المحاولات المستميتة، وقد تتمكن من تأخير أو تأجيل الانفجار الداخلي فيها، ولكنها ـ كما أرى ـ هي مرحلة انتقالية، وأغلب الظن أنها مرحلة قصيرة.
المفارقة المؤلمة في كامل هذا المشهد أن الحالة الوطنية الفلسطينية ليس بمقدورها أبداً، وهي بهذه الحالة العبثية من الانقسام، وهذا الوضع السريالي من سوء الإدارة والأداء، وهذا الغياب والتغييب المريب للعمل المؤسسي، وهذا القدر الهائل من الأخطاء والارتجال، وهذا القدر الأكبر من عقلية المزاودات السياسية والعنتريات الاستعراضية، وهذه المتاجرة المكشوفة بتضحيات الشعب ومصالحه على مذبح المصالح الخاصة و»الكانتون» الخاص والجَيب السياسي الحصري.
مفارقة مؤلمة أن يكون المشروع الصهيوني قد وصل إلى [استنفاد تاريخي] غير مسبوق، وأن يكون الشعب الفلسطيني بحدسه السياسي العبقري يستشعر كل هذا، ويهبّ بكل قوة وإرادة صلبة ليعيد القضية الوطنية إلى سابق ألقها وتوهجها، وأن يعيد فرضها على أجندة العالم والإقليم، وأن يثبت بالدليل القاطع أنه هو حارس المصالح والحقوق والأهداف، في الوقت الذي تمعن الفصائل من كل أنواعها في مشروع الشرذمة والتفتيت، وتوغل في تعميق اليأس والإحباط في مسار يبدو بكل صلف وغباء، وكأنه مسار مضاد ومتعاكس بالكامل مع مسار الشعب وآماله وتطلعاته، وفي مسار غريب وعجيب من اللامسؤولية في فهم ما وصل إليه المشروع الصهيوني من انسداد الأفق، ومن الاستنفاد التاريخي والتشبُّع الاستعماري.