نابلس - تحسين يقين - النجاح - هناك، سار فيّ الطفل الذي كنته يوماً، باحثاً بعينيه عن مكان مرقدها الأخير، إنها هنا بروحها الملائكية، بطلعتها النقية، بقلبها. كم سنة عاشت هنا؟ متى توفيت؟ وهل فعلاً رحلت أم ما زالت تسكن نفوسنا؟!
هنا، في أعلى الجبال الغربية المطلة على القدس ويافا، حيث اختار السيد المسيح - عليه السلام - أن يلتقي تلاميذه، ثم حكاية من قبل، وثمة حكاية بدأت، ليأتي من يسير على خطوات المحبة والتسامح، وهنا منذ 120 عاماً، تتأسس أيضاً حكاية الأديرة هنا، في القرية الصغيرة، وهنا أيضاً حكاية الست جميلة، التي تأسست في أربعينيات القرن العشرين، التي تركت الدنيا لتسير على الخطى، فأي سحر لذلك الإيمان!
وهنا، سأجد نفسي عائداً إليها، إلى زمنها، وزمن طفولتي، أقف متهيباً متأملاً المكان، أعيد رؤيته، بشيء من جزيل المحبة والاحترام، فأعود لنهار السبعينيات، والقرويات يحتضن أطفالهن انتظاراً للدخول إلى العيادة.
أعود للطريق، تغيرت لكن ما زالت الدروب الجبلية شاهدة، أختار أن أسير من بيت دقو لأتسلق الجبل وأهبطه ثم أتسلق جبل القبيبة، فأرى الدير وأشجاره بظلالها الباردة المنعشة، وأكاد أسمع دقات ساعة الدير، وكلما كنت أهبط أو أصعد، كنت أرجع لزمان مضى، متذكراً أبي وأمي، وأختي الكبرى، فأتذكر بعض ملامح الطريق بعد هذه العقود التي ابيض الشعر فيها، وثمة مشاعر كثيرة هنا، ثمة زمن جميل رغم ما كان بها من نقص في الخدمات، لعله زمن الأحلام. أصعد برشاقة فتى، أقترب، وأرى المكان، فأجد والدي يربط دابته في قضبان الشباك، أتحسسه، أساله إن كان يذكر. لربما نستغرق ذلك في رواية السيرة يوماً، لكن لا أدري لم أحسست بطعم الشكولاتة الألمانية الساحرة.
الممرضة والراهبة والإنسانة.. كنا نسمع الكلمات ولا نعرف المعاني، لكن كنا نستشعر تلك الطاقة من الرحمة، فتبدأ مراحل التشافي مع رؤيتها.
لا تكاد تذكر الاسم، حتى يأخذنا الحنين، خصوصاً لمن غادروا الأربعين أو أكثر، إنه زمن الست جميلة، بما فيه من دلالات تخص كل واحد فينا.
وما زلنا نذكرها بمحبة ووفاء، تلك الراهبة الممرضة، حتى كأننا كنا نربط كأطفال اسم الراهبة بالتمريض، لم نكن ندري عن عالم الرهبنة، فقط كنا نراها تعالجنا.
كانت تعالج القرويين في قرى القدس وقرى غرب رام الله القريبة، أولئك القادمين من قراهم البعيدة، إما مشياً أو راكبين الدواب، حيث لم تكن هناك عيادات، كما أن المدينة بعيدة عنهم.
لكل واحد منا، قصصه مع تلك العيادة براهباتها، حتى أننا بقينا نردد اسم الست جميلة، على كل الراهبات، حتى قيل لنا: إنها كبرت وتقاعدت، وإن هناك راهبة أخرى مكانها اسمها رمانة.
عندما كنت طفلاً، كنت ألاحظ أن لغة الست جميلة العربية مختلفة نوعاً ما، لم نكن نعرف أنها قادمة من ألمانيا أو دول أوروبا، نتذكر نظارتها السميكة، وجديتها، ورشاقة أدائها، حيث يكون قد تجمع خارج العيادة العشرات من قرى المنطقة.
بالطبع لم يكن اسمها كذلك، ربما هو مرادف عربي لاسمها، كذلك الراهبة رمانة، لكن المهم هنا، ذلك الجو العلاجي النفسي، حيث ما أن ندخل العيادة حتى نشم الأدوية، ونرى ملائكية الراهبة المرتدية بياضاً، فنشعر أننا تحسنّا، لا نخاف إلا الحقنة، فنسمع طفلاً يبكي ثم يأتي علينا الدور لنبكي.
أذكر هداياها لنا، البسكويت والحلوى.. وأذكر الطريق الجبلية الوعرة التي كنا نتسلقها من بيت دقو إلى القبيبة، حين كان والدي يردفني وراءه على البغلة، التي كانت تصعد الجبال بقوة ساحرة بالنسبة لطفل صغير.
وعلى الرغم من تطور الطب، إلا أن هناك من كبار السن من ظل يتردد على عيادة الدير، ثقة منه بالتمريض والدواء، أو لعله بعض الحنين.
كبرنا، وظل الحنين لتلك الأيام، وقرأنا عن نشوء الأديرة، وخدماتها الصحية والتعليمية في فلسطين.
المعلومات التالية، حصلنا عليها من المجلس القروي:
«تم الشروع بإنشاء الأديرة الحالية في قرية القبيبة في العهد العثماني، منذ بدايات القرن الماضي، حين أقدمت رهبنة الكاثوليك الفرنسيسكان على شراء قطعة أرض من سكان بلدة القبيبة لبناء الدير القائم حالياً، على أنقاض منزل تلميذَي المسيح كليوفس وسمعان كما يعتقد المسيحيون، بناء على ما ورد في إنجيل لوقا (24، 31-35)، ومصادر دينية وتاريخية أخرى. منذ ذلك الوقت بدأ اهتمام المؤسسات الدينية بقرية القبيبة عمواس، وخلال مراحل بناء الدير والكنائس، استقدمت الرهبنة الفرنسيسكانية القائمة على بناء الأديرة العديد من العائلات الفلسطينية المسيحية، التي عملت في الأديرة بشتى المهن، وفيما بعد اشترت بيوتاً من أهالي القرية وسكنت فيها، بعض هذه العائلات ما زال مقيماً في القرية إلى الآن. اهتمت المؤسسات الدينية التي يديرها رهبان وراهبات ألمان بالحياة الاجتماعية للسكان المحليين، وكانت هذه المؤسسات تحاول كسب ود الناس في القرية، ولكي تبني علاقة وطيدة مع المجتمع المحلي وتعزز أواصر المحبة والتعاون، لجأت إلى تقديم خدمات للمجتمع المحلي، وأكثر ما اهتمت به هذه المؤسسات، العلاج الطبي ورعاية المسنين، والتعليم، والأمن الغذائي للطلبة، وكانت هذه الأمور تمثل احتياجاً بارزاً في حياة الناس آن ذاك».
عودة إلى الست جميلة، أشهر ممرضات الدير التي عملت فترة طويلة،
تقول رواية المجلس القروي: الست جميلة إحدى الراهبات القادمات من ألمانيا إلى قرية القبيبة، تم تسميتها بهذا الاسم لتسهيل مهمة حفظ اسمها من قبل السكان المحليين البسطاء، لكي تستطيع التفاعل معهم والاقتراب منهم وجدانياً.
كانت تعالج الناس وتقدم لهم الدواء دون مقابل، (أو مقابل مبالغ رمزية)، وقد كانت مديرة العيادة الطبية، وكانت ترافقها دائماً راهبة أخرى اسمها (رمانة)، حيث عملت الست جميلة على تقديم خدمات طبية للمواطنين في قرية القبيبة والقرى المحيطة بها، كان ذلك عندما لم تكن أي عيادة طبية أخرى في المنطقة، فقد كان الأطباء يتواجدون في مراكز المدن ويصعب الوصول إليهم في أي وقت، وقد يكون الوصول إليهم مستحيلاً لدى بعض العائلات بسبب الفقر وقلة المواصلات والجهل.
تصف رواية المجلس القروي الست جميلة: الست جميلة قديسة جميلة بكل معنى الكلمة، عرفت معنى السمو الأخلاقي والإنساني، ووهبت شبابها وصحتها وعمرها في خدمة الناس بمنطقة شمال غربي القدس، وحملت على كاهلها هذا العبء وتفانت في عملها أيما تفان، فكانت علماً من أعلام المنطقة، ذاع اسمها بقوة بين الناس. كانت الست جميلة ملاذ الفقراء والبسطاء، تلبي نداء الواجب في كل الأوقات، ولم تكن لتتردد بالذهاب إلى أي قرية في المنطقة، وكانت تصل بخدماتها إلى قرية بيت لقيا، حيث كان الناس يأتون إليها مهرولين طالبين للنجدة، يركبونها على حمار أو مشياً على الأقدام في منتصف الليل لتوليد امرأة استعصت ولادتها، أو مريض أنهكه المرض، ويذكر لنا، من عاصروا خدماتها مواقفها البطولية في حربَي العام 1948 و1967، حيث أسعفت وداوت الكثير من الجرحى والمصابين أردنيين وفلسطينيين، والرواية للمجلس القروي، ونضيف: إن دير اللطرون التوأم كان قد استقبل اللاجئين وأكرم وفادتهم خلال مرورهم به.
«قضت الست جميلة حياتها في خدمة الناس، وعاشت وماتت في كنفنا وفي جوارنا، حيث ووري جسدها الثرى في المكان الذي أحبت العمل فيه، وماتت فيه، ودفنت في المقبرة الخاصة بالعائلات المسيحية في قرية القبيبة، ورغم غياب كل هذه السنوات على رحيلها كان لا بد من التذكير بسيرتها الإنسانية، والإشادة بدورها الكبير وفضلها على الناس، لتبقى ذكراها جميلة كخلقها وأدائها الجميلَين».
تلك الست جميلة وزمنها الجميل..
يمكن أن يكون ذلك كتاباً أو رواية يستلهمها كاتب روائي، ويمكن إنتاج فيلم قصير أو طويل، المجال رحب.. رحمها الله.