يونس العموري - النجاح - هل نمضي نحو المجهول إن لم نقل الانهيار؟ واللغة قد تكون غير واضحة المعالم ومفرداتها مختلفة ولا تعبر عن كينونتنا الجمعية الجماعية، وكم عدد اليائسين من شعبنا الذين سيلعنون الساسة؟ الى ان يولد القادة الجدد بعد ان عفا الزمن على القديم.

اعترف أن هذه المقالة قد تكون مختلفة، أو أنها لربما تشكل واحدة من الاعترافات التي أجد من خلالها فرصة لمقاربة الحقيقة، ولمقاربة وقائعها ووضع النقاط على الحروف، في ظل معطيات المرحلة، التي تشكل الخربشة العنوان الأبرز فيها.. وفي ظل افتتاح بازار الانتخابات العامة بعد غياب طويل.

وإذا كان الحديث عبر السرد الكتابي التحليلي يشكل أحد أساليب استشراف الحقائق وتمحيصها، فإن هذه المقالة تأتي في إطار مكاشفة الذات بشفافية قد تكون الأقرب إلى وعي حقائقنا، وماهية ذواتنا في الوقت الذي نستمر فيه بلعبة التذاكي والتخبط وندعي امتلاكنا لحقيقة أمورنا ونعي وقائع ما يجري من حولنا، ونستمر في ممارسة واحدة من أبشع عمليات التزوير لتاريخنا وانتماءنا السياسي في إطار الحركة الوطنية بكل مشاربها وتنوع توجهاتها.

وهنا أجدني اسأل نفسي كما هم الكثيرون من أبناء هذه الحركة يتساءلون: ما تبقى من الاطر الوطنية هذه؟ وماذا نشكل نحن كوادر ومثقفين وحتى مناضلين بتركيبة تلك الحركة وهياكلها اليوم، عناصر وكوادر وحتى قادة؟ ولماذا أصبحت تكوينات الحركة الوطنية كما هي عليه الآن مترهلة، متشرذمة يتحكم في مصيرها ونهجها ثلة من هؤلاء المتطفلين على تاريخها ومسيرة نضالها وكفاحها، الذين يشوهونها؟ ويكون أن يأتي الاستحقاق ومناشدة الجماهير المهملة التي ظلت على أرصفة النسيان وهي لن تأتمر بقرارات فوقية بضرورة الالتفاف حول الأطر الوطنية راعية مصالح الشعب. وسيد الموقف العزوف ولسان الحال يعبر عن ذاته بعبارة (سئمنا..)

ان تلك التكوينات تعايش الأزمة بأعماقها وتعلم حقيقة المأزق التي ادخلت ذاتها به وادخلت جماهير الشعب الفلسطيني فيه وتمارس فعل المزايدة على مكوناتها وتحاول ان تجاهر بتسديد النقاط بمرمى الخصوم وهو الشغل الشاغل لقادة يتربعون على عرش الحركة الوطنية عموما.

كانت الحركة الوطنية ومن خلال الفعل النضالي الكفاحي الراعي الأكبر للمشروع الوطني الفلسطيني، والحلم بتجسيد الحقيقة التاريخية الثابتة بالعودة وبناء الدولة وتقرير المصير، وقد أضحت اليوم مدافعة عن خيارات الحلول السلامية الاستسلامية بشكل او بأخر وبمختلف الوسائل والاساليب فمنهم من يريدها مباشرة ويعبر عن الاطروحة التسووية بشكل فاقع اللون ومنهم من يمنح الشرعية لمن يحاول ان يطوع المنهج السياسي بهذا الاطار والصامت الساكت انما يعطي الاشارة بالمضي قدما بما يحاولون انجازه على صعيد التسوية تلك، وكل ذلك بغية تحقيق تنشيط الفعل الدبلوماسي الغربي، الذي يريد من خلال هذا التنشيط تحقيق الكثير من المصالح على الساحة الإقليمية، وكل ذلك من خلال بوابة القضية الفلسطينية التي يُراد لها أن تبقى مجرد قضية يدور الحديث عنها في المناسبات الدولية والإقليمية، ويساوم على مسائلها وقضاياها على طاولة الابتزازات الدولية لهذا الطرف أو ذاك، بهدف تحقيق بعض الاختراقات في المسارات السياسية العربية والولوج نحو المصالح الاستراتيجية لهم على هذه الساحة الأكثر حساسية في تحديد أولويات العمل والفعل الدبلوماسي الدولي برمته.

إن صورة الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم تبدو باهتة يعتلي منصتها بعض من القادة الذين يلهثون وراء مصالحهم أولا وأخرا، ويحاولون بشتى السبل والوسائل ابتداع معادلات جديدة، تراعي نفوذهم في الوسط الفلسطيني على الحساب الوطني من خلال البوابات التنظيمية، حيث تدار المساومات ما بين أقطاب المناهج المتصارعة في الأطر على المواقع القيادية المتقدمة وبشكل إسقاطي برشوتي من الأعلى دون مراعاة لهذا الجيش الكبير من المناضلين والمكافحين الذين التحفوا السماء وناموا على الأرض ولعقوا دماءهم في الاطار الوطني الجامع ومناهج الكفاح النضالية التي بلورتها كل دماء الشهداء وأنات الأسرى والجرحى، وكانوا أن أمنوا بالكلمة الوطنية المنطلقة من صميم إيمانهم بجدوى الفعل الكفاحي النضالي في سبيل رعاية المشروع الوطني الذي أصبح بعيد المنال كما يجب ان يكون.

وعود على بدء... أين نحن في تكوينات الحركة الوطنية؟ هل ما زلنا نشكل شيئا من إرادة القرار بعد أن تم كشف اللثام عن ماهية توجهات قادتها؟ وبعد أن أصبح كل هؤلاء القادة والكوادر والناطقين مجرد جوقة وأبواق لكلمة السر في الظرف الراهن.تلك الكلمة الآتية من العديد من عواصم القرار المشبوه. ثم أين هي حركتنا الوطنية اليوم؟ وهل هي قائمة بالفعل وفقا لتعاليمها وأدبياتها؟ أم هي مجرد تجمع لثلة من هؤلاء الذين لا يرون في الوطن وبالتالي في التنظيم إلا مجرد واحة لممارسة أهوائهم لعقد صفقاتهم هنا وهناك، بهدف تحقيق مصالح مراكز القوى المرتبطة بهم وبأجنداتهم في المنطقة. فهؤلاء الوطنيين الجدد أنصار نظرية الواقعية والتعاطي بعقلانية مع الظرف الراهن والقبول بمتطلبات هذه الواقعية وشروطها ومتطلبات اللعبة السياسية الدولية وارتباطاتها الإقليمية، هؤلاء الذين يعتقدون ان الاطار الوطني يجب تطويعه وفق مبتغياتهم، الأمر الذي يعني محاولة السطو على الحركة الوطنية وإلباسها أثوابا غير أثوابها، وهو الأمر الذي تحقق إلى حد ما، وهنا مكمن الخطر بمعنى أن تلك الحركة قد تم السطو عليها وعلى مسار فعلها وأداءها وبالتالي أصبحت حركة لا تعبر بالضرورة عن نبض جماهيرها وعناصرها ودماء شهداءها، بل أضحت وبكل تكويناتها وتشكيلاتها واحدة من تلك الأحزاب الرتيبة المتعطشة لممارسة السلطة فقط لا غير وبأي الأثمان على أساس تقاطع المصالح ما بين قادتها والبؤر السلطوية.

وحتى لا نجافي الحقيقة بشيء فدعونا نسترجع معا مجريات ما حدث وما يحدث حتى اللحظة بالدهاليز الوطنية ما بعد هزيمة الحركة مجتمعة بالانتخابات التشريعية النيابية الأخيرة عام 2006 وهي النتائج الطبيعة والمتوقعة في ظل شرذمة منظمة التحرير وتكوينات الحركة الوطنية وضياع برامجها وازدياد صراع أمراء القبائل فيما بينهم، وبالتالي كان ما كان من سيطرة التيار الاسلاموي السياسي على مقاليد الحكم في اطار السلطة.

كتن ذلك يستدعي اجراء مراجعة شاملة وعميقة بحقيقة ووقائع الحركة الوطنية عموما، والسؤال هنا: هل اجريت مثل هذه المراجعات بشكل فعلي خصوصا في ظل وقائع اللحظة حيث انسداد الافق السياسي وافلاس قادة هذه الحركة عن احداث الاختراق الفعلي والحقيقي بمنهج الفعل الوطني الذي يبدو باهتا يعتمد على ردات الفعل دون امتلاك الفعل الاستراتيجي المعبر عن حسابات المرحلة؟

خلال الفترة السابقة انعقدت الكثير من ورشات العمل ولقاءات قادة التربع على عرش الحركة الوطنية وكل مرة كان الانتظار سيد الموقف لفعل قد يقلب موازيين المعادلة التي ظلت مسيطرة على نسق الحياة التنظيمية والسياسية ولم يأت الجديد بالمطلق... بل انعقدت المؤتمرات الخاصة بتنظيمات اليسار وكان ايضا الانتظار سيد الموقف الا انه وللأسف لم يحدث التغيير الدراماتيكي الذي من شأنه احداث الثورة التغييرية على مفاهيم الواقع الراهن الذي يبدو انه قد فرض معادلة اخرى غير مرتبطة بمفاهيم المعادلة الوطنية الثورية المناضلة.

باختصار يبدو ان الحركة الوطنية عموما قد اضحت عاجزة عن ممارسة دورها في ظل معطيات وارهاصات وقائع الواقع الراهن وتغول مفاهيم الليبرالية الجديدة وانصار الواقعية السياسية، الامر الذي يعني التسليم بقوانين هذه المرحلة وبالتالي لا بد من ان يغادر امراء الحركة الوطنية المشهد الفلسطيني واحالتهم الى التقاعد المبكر في ظل فشلهم واعادة ترتيب الساحة الوطنية الفلسطينية على اساس المنطلقات التاريخية الثابتة. بمعنى اخر لا بد من إعادة الفعل الاصطفافي على اسس ممارسة الحق بالفعل النضالي المرتبط بتحقيق الحقوق التاريخية لجماهير شعبنا الفلسطيني واعادة الصدارة للاهداف التي تآكلت من خلال جملة التنازلات المقدمة على مذابح العملية السياسية التسووية. وهنا لا استثني من اقطاب الحركة الوطنية بهذه المرحلة احدا. وبالتالي وامام هكذا حقائق وهكذا وقائع تصبح الانتخابات العامة بكافة مراحلها بصرف النظر عن مسمياتها وبصرف النظر عن منطلقاتها واحدة من محطات فعل المقامرة، على أساس ان الأداء برمته قد اضحى عبثيا، وهنا لا بد من اعادة الأمور الى نصابها الصحيح من خلال الابداع الجديد للأطر الوطنية وبالتالي للبيت الفلسطيني الجامع.

 

نقلا عن صحيفة القدس