مهند عبد الحميد - النجاح - قيل الكثير عن اجتماع "القيادات الفلسطينية"، قلة من المتفائلين، وكثرة من متشائمين أو منتظرين للأفعال.

لأول مرة منذ سبعينات القرن الماضي يجتمع كل ألوان الطيف السياسي على أعلى المستويات ويدلون بدلوهم على الهواء مباشرة. جَمَعهم هذه المرة خطر عظيم، اضطرهم للاستقواء ببعضهم البعض، وفي هذا خير. رفض المجتمعون صفقة القرن وتداعياتها (ضم القدس وشطب اللاجئين وتثبيت الاحتلال والاستيطان وترسيم السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وتقرير مصير الشعب الفلسطيني نيابة عنه) كان هو العنوان الأهم. وهذا يعني أنه لا يوجد غطاء فلسطيني رسمي وشعبي للصفقة (التصفية)، ولا توجد أجندات فلسطينية متعارضة ذات صلة بمحاور إقليمية وبخاصة محور الصفقة العربي. عدم تأمين غطاء فلسطيني بشكل مباشر. نعم، عدم تأمين غطاء فلسطيني للصفقة وتداعياتها يعد بمختلف المقاييس إنجازاً كبيراً يمكن البناء فوقه، ويعد حافزاً لعمل فلسطيني مشترك الآن.

المتشائمون لم يتوقفوا عند هذا الإنجاز، وحاولوا التشكيك به، والسبب يعود الى نظرتهم الجامدة للاستقطاب بعيدا عن التناقضات الأساسية والمستجدة، وبعيداً عن السياسة، وتحديداً لم يتوقفوا عند حقيقة أن حل صفقة القرن (الحل الذي صاغه معسكر اليمين الإسرائيلي) لا يتقاطع مع مصالح اكثر الفئات السياسية اعتدالا وبراغماتية في إطار المؤسسة الفلسطينية الرسمية، فالقوى التي تقبل بهذا الحل التصفوي هي بالضرورة قوى تابعة وملحقة بسياسة إدارة ترامب ومعسكر نتنياهو والدوائر العربية الرسمية المصطفة معهما، في الوقت الذي يتنافر فيه "الحل الصفقة" مع مصالح السواد الاعظم من الشعب الفلسطيني.

وحتى يكون الموقف الصادر عن الاجتماع ليس مجرد بيان وخطابات تقليدية، فانه يتطلب تعزيز الشرعية الفلسطينية التي يجري التشكيك بها والعمل على اختراقها. لقد كان تمثيل المكونات السياسية في الاجتماع شاملاً في الشكل، لكنه جاء في إطار بنية بيروقراطية تحتاج الى تطوير بمستوى يجعلها معبرة عن الفئات الاجتماعية الأوسع والأكثر تضرراً من صفقة القرن وهي عموم الشعب في الوطن والشتات. والتطوير لا يتأتى إلا بإدخال تعديلات فورية على نظام عمل المؤسسة وتعديلات تدريجية على بنيتها. على سبيل المثال فان مواجهة شطب قضية اللاجئين و"إزالتها عن الطاولة" يتطلب إعادة وضعها على الطاولة، هذه المهمة تستدعي ليس فقط تفعيل دائرة اللاجئين في منظمة التحرير، وانما تستدعي استحداث جسم تمثيلي قاعدي (مؤتمر سنوي للاجئين) يشارك فيه ممثلون عن اللاجئين في مختلف أماكن وجودهم، يطرح رؤية لعمل غير تقليدي حول حقوق اللاجئين المشروعة وآلية عمل تتضمن لجاناً متخصصة وصندوقاً مالياً، وحراكات جماهيرية تمارس أشكالاً من الضغوط المنظمة والسلمية، وتستند الى قاعدة معلومات داعمة للأنشطة النضالية. إن إعادة طرح قضية اللاجئين على الطاولة تعني اشراك ملايين الفلسطينيين خارج الوطن في المعركة السياسية ضد شطب حقوقهم من جهة، وابتداع سبل إيجاد الحل المنصوص عليه في القرار 194، وتحمل مسؤولية المحن والنكبات والاضطهاد الذي تعرض ولايزال يتعرض له اللاجئون في سورية والعراق ولبنان وليبيا.

ما أسهل تحديد ما لا نريده وما نرفضه، وبخاصة عندما نكون أمام حل تصفوي مدمر للحقوق الوطنية والإنسانية والمدنية الفلسطينية كالحل الأميركي الإسرائيلي (صفقة القرن). وما أصعب تحديد ماذا نريد، وما هو الهدف المركزي المشترك. الهدف الوطني لا يحدد بناء على الرغبة والحق التاريخي الذي يتبناه الشعب، بل يأتي عبر معادلات وأنظمة وقوانين وشرعيات، وهو بلغة العقل والموضوعية يكون متاحاً في شكل عدالة نسبية ..وظالمة. وبلغة المشاعر يكون مجازاً في شكل يوتوبيا وردية. السؤال، هل تتفق القيادة السياسة المشتركة في اجتماعاتها على ( هدف مشترك) بسقف الشرعية الدولية ( إنهاء الاحتلال والاستيطان وإقامة دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران 67 عاصمتها مدينة القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين بتطبيق قرار 194، وتحقيق المساواة للجزء من الشعب في مناطق الـ 48). البيان الختامي يؤيد ذلك، باستثناء تحفظ حركة الجهاد الاسلامي. وهذا الموقف المشترك يتفق مع تقليد الجبهات الوطنية المتحدة ومنها تجربة منظمة التحرير، حيث تتبنى الجبهة المتحدة برنامجاً مشتركاً ويحتفظ كل تنظيم ببرنامجه الخاص ويعمل على كسب التأييد له ليصبح برنامجاً مشتركاً. وكي لا يتحول البرنامج المشترك الى مجرد بيان ينتهي العمل به بعد الاجتماع، من المفترض ان يمتلك آلية تنفيذ بالاستناد لأشكال نضال وتحالفات، والأهم إعادة طرح الاستيطان كمقوض للدولة وتقرير المصير، وكجريمة حرب تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني وبحق البشرية جمعاء، وقد اصبح من المطلوب عدم التسليم الفلسطيني أولاً والدولي والعربي بالاستيطان كأمر واقع، فرض التراجع عنه.

 قضية أخرى في غاية الأهمية والخطورة، عنوانها الانسحاب العربي الرسمي العملي من خندق القضية الفلسطينية واستحقاقات إيجاد الحل العادل لها، وإعلان بعض الدول العربية عن تحالفها الصريح مع دولة الاحتلال وتأييدها العملي لصفقة ترامب. إن هذا التحول يطرح إعادة بناء التحالفات مع الشعوب العربية وقواها الديمقراطية التحررية. العلاقة بين التحرر الفلسطيني ونضال الشعوب العربية ضد علاقات التبعية وضد الاستبداد علاقة استراتيجية نابعة من مصالح مشتركة. وبالقدر الذي يتطور فيه التحالف الشعبي الفلسطيني العربي بالقدر الذي ينحسر فيه خطر تصفية القضية الفلسطينية، وخطر الولوغ العربي اكثر فأكثر في علاقات التبعية والخنوع للهيمنة الأميركية الإسرائيلية. إن تحويل الكلام العام والمبدأ العام للتضامن الى فعل، يبدأ بوضع برامج نضال مشتركة، والتي بدأت تشق طريقها الآن، من خلال بيانات وعرائض واحتجاجات نخب عربية ضد التطبيع مع دولة الاحتلال. لقد أهدرت النخبة السياسية الفلسطينية والى حد ما النخبة الثقافية فرصة بناء التحالف بين الانتفاضات السلمية الديمقراطية العربية والشعب الفلسطيني. والآن وعلى خلفية الأخطار المحدقة ثمة استقطاب جديد، يتأثر بالضرورة بالمواقف الفلسطينية الثورية والجريئة.

وما بعد الاجتماع الوحدوي الفلسطيني لا بد من موقف من التنسيق الأمني الذي لخص ربع قرن من التفاوض والحل الانتقالي الفاشلين. المسألة ليست وقف التنسيق الأمني او استمراره مع دولة الاحتلال، بل قلب مفهوم التنسيق الأمني رأساً على عقب. فالمهدد أمنه هو الشعب الفلسطيني. وهذا يطرح سؤالَ كيف يمكن صون الأمن الفلسطيني من الاستباحة الإسرائيلية وتحويل التناقض في صفوف الحركة الوطنية الى تناقض ثانوي، وتركيز الجهود على إنهاء الاحتلال. تكون البداية بتنسيق أمني فلسطيني فلسطيني، واعتماد سياسة أمنية تستند الى المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، والى الحماية الشعبية.