د.أحمد إبراهيم حماد - النجاح - يحلّ يوم الأسير الفلسطيني، مختلفًا هذا العام، في ظلّ تفشّي جائحة كورونا، حيث تقوم دول العالم قاطبة ببذل جل جهودها لمكافحة الجائحة بشتى السبل والوسائل، والعمل الحثيث للحفاظ على جميع الأفراد سواء كانوا من مواطنيها أو زائرين أو غيرهم، بل وإطلاق سراح الكثير من المسجونين للحفاظ على حياتهم نجد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي مازالت تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والأعراف الدولية فيما يتعلق بالحفاظ على حياة الأسرى.

ففي الوقت الذي بادرت فيه كثير من الدول لإطلاق سراح المسجونين – وكثير منهم مسجون على قضايا جنائية- سيما من غير الخطرين وكبار السن نجد أن دولة الاحتلال تصم آذانها عن جميع المناشدات والدعوات لإطلاق سراح الأسرى المحتجزين في سجونها وهم أسرى حرب، مناضلين من أجل الحرية والاستقلال، مما يعرضهم سواء بشكل متعمد أو غير متعمد لخطر الإصابة لا قدر الله بهذا الوباء الخطير، حيث ما زال قرابة 5000 أسير، من بينهم 41 أسيرة و180 طفلًا و430 معتقلًا إداريًا و700 مريض وعشرات المسنين بحسب تقارير نادي الأسير الفلسطيني ، يحلمون بالحرية والحياة، ويطالبون العالم بوقف الانتهاكات الصارخة بحقهم من قبل سلطات الاحتلال.

ولعل هذا الصمت الإسرائيلي الذي يرافقه لا مبالاة بالقوانين والأعراف الدولية ليس جديداً على دولة الاحتلال الإسرائيلي، فهي تقوم منذ فترة طويلة بحملة قمع مستمرة بحق الأسرى جميعاً ومحاولة النيل من صمودهم في وجه الجلاد الإسرائيلي.

ولم تكتف دولة الاحتلال بذلك بل مضت أبعد من ذلك من خلال سعيها لتشويه صورة الأسرى المحتجزين في سجونها من خلال هجمات إعلامية منظمة ومستمرة وموجهة لتغيير الصورة النمطية والذهنية الخاصة بالأسرى في أذهان وعقلية المواطن الغربي.

والطامة الكبرى أن بعض المؤسسات الاعلامية الاوربية انساقت مع الإعلام الإسرائيلي لقلب الحقائق لدى المواطن الغربي، والرأي العام الدولي بخصوص الأسرى، ما نتج عنه زرع العديد من المصطلحات والأفكار المشوهة التي قد توحي للمواطن الغربي بتصورات حول آسرانا مخالفة للواقع والحقائق، فاستخدمت بصورة ممنهجة مصطلحات مثل &

39;، كما حاولت الربط، بل والخلط بين بعض العمليات الإرهابية في العالم والنضال الوطني الفلسطيني.

يأتي ذلك في الوقت الذي تصر فيه سلطات الاحتلال على ممارسة سياسة القمع والبطش بحق الأسرى، ناهيك عن الإهمال المتعمد بحق الأسرى المرضى، واستمرار احتجاز كبار السن والأطفال من الأسرى والأسيرات في ظل انتشار جائحة كورونا مما يعرضهم لمزيد من المخاطر التي تهدد حياتهم، خاصة وان الاحتلال الإسرائيلي لم يخضع للمساءلة أو المحاسبة يوماً ما، فهو يشعر بأنه محصن وفوق القانون.

ان استمرار سلطات الاحتلال في احتجاز الأسرى رغم المخاطر التي تتهددهم، ومواصلة سياستها القمعية بحقهم، فضلاً عن حملة التضليل والتشويه الإعلامي بحقهم تتطلب تضافر جميع الجهود الرسمية والمؤسسات الحقوقية والشعبية للضغط على دولة الاحتلال لوقف هذه الممارسات، وإطلاق سراح الأسرى للحفاظ على حياتهم.

وبالرغم من الجهود الداخلية خاصة الشعبية منها لمساندة الأسرى، يجب التنويه هنا الى أن التعامل الشعبي والمؤسساتي مع قضية الأسرى موسمي لا يرتقي للمستوى المطلوب والتضحيات التي يقدمها وقدمها الأسرى في السجون الإسرائيلية، مما يتطلب تكثيف المساندات الشعبية في هذا المضمار، والتي يجب أن يرافقها استمرار الالتزام الرسمي بحقوقهموعائلاتهم الاقتصادية والاجتماعية حيث ان الرسالة الأساسية اليوم التي يقدمها أسرانا هي الوحدة وإنصاف قضية الأسرى، والانتصار لهم وإنهاء الانقسام . البغيض

ولابد هنا أن نؤكد على ضرورة تفعيل دور السفارات والجاليات الفلسطينية في الخارج وخاصة في الدول الغربية سواء في أوروبا أو دول أمريكا الشمالية من خلال تكوين شبكة علاقات وتحالفات قوية وداعمة للموقف الفلسطيني السياسي في المؤسسات الدولية، وحث الجمعيات والمراكز الحقوقية والإنسانية على الاهتمام بقضية الأسرى، وبما يكفل إطلاق حركة تضامن دولي وإعلامي وقانوني وديبلوماسي لمتابعة النضال من أجل تحرير الأسيرات والأسرى، ومحاسبة وعزل ومقاطعة دولة الاحتلال الإسرائيلي، استنادًا إلى استراتيجية واضحة تعتمد على العمل الجماعي في إطار تكامل الأدوار، تعيد لقضية الأسرى والمعتقلين اعتبارها الواجب، وتكون أكثر تأثيرًا ونصرة لقضاياهم.

وفي ظل هذه الأوضاع الخطيرة يأتي أهمية استخدام وسائل الإعلام على اختلافها بما في ذلك الإعلام الجديد واستغلال كافة الفنون الإعلامية التي تركز على الجوانب الإنسانية لحياة الأسرىوشؤونهم المختلفة، والمخاطر التي تتهددهم في ظل استمرار احتجازهم.

ويجب ألا نغفل كذلك أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام المحليّة والعربية والدولية، فهي مدعوة إلى التركيز على قضية الأسرى وإبراز معاناتهم وإيصال صوتهم إلى العالم، لحشد الرأي العام تجاه قضيتهم الوطنية والإنسانيّة على أن يكون ذلك ضمن إستراتيجية شاملة بما يضمن تفعيل دورها في توضيح معاناة الأسرى داخل سجون الاحتلال للعالم، فلو اجتمعت الجهود الفلسطينية والعربية والصديقة الداخلية والخارجية، سيكون لها أثرا كبيرا جدًا في مساندة قضية الأسرى ودعم صمودهم.

ويجب على المجتمع الدولي بأسره أن يتوقف عن سياسة الكيل بمكيالين عندما يتعلق الامر بحقوق وأرواح الشعب الفلسطيني بصورة عامة، وبقضية الأسرى على وجه الخصوص، وأن يمارس دوره الإنساني من أجل إطلاق سراح الأسرى وتوفير الحماية لهم، والضغط على حكومة الاحتلال لإطلاق سراح الاسيرات، والأسرى المرضى، وكبار السن، والاطفال كخطوة أولى للحفاظ على حياتهم.

أن قضية الاسرى هي قضية ذات طابع خاص واستثنائي بالنسبة لعموم الشعب الفلسطيني ولذلك مطلوب تظافر جميع الجهود لتحقيق انجازات وليس تسجيل الأطراف نقاطاً على بعضها البعض بحكم الانقسام والتجاذبات السياسية.