خالد صيام - النجاح - منذ شهر مضى أو يزيد تجتاح مراكز المدن والساحات والبلدات والقرى اللبنانية مـــظاهرات عارمة .. لم تكن تلك المظاهرات وليـــدة اللحظة ... ثمة ما يشـــــير إلى حـــجم المعاناة التى تحملها الشعب اللبناني الشقيق بكل مكوناته عبر الســـــنوات الماضية ، من وضــع إقتصادى سيء وإجتماعى معقد نتيجة هجرة ما يقارب ثلثي السـكان للعمل خــــــارج وطنهم ، وخاصة فئة الشـــــباب المكون الرئيس لأي مجتمع ، بسبب البطالة المستشرية إلى ظاهرة الفســــــاد والمحسوبية لفئة ضئيلة من ذوي النفوذ والســــــلطة ، بخلاف إرتفاع المديونية الـعامة على كاهــل الــدولة التي يتحمل عبئها الشـــــعب عبر أجياله المتعاقبة من خــلال فرض الـضرائب المرتفعة على مكونات الحياة الأساسية لاحتياجات المواطن اللبناني الباحث عن مخرج بشتى الوسائل لتوفير لقمة عيش أبناءه بكرامة .

   كل ذلك دفع اللبنانين بمختلف مشـــــاربهم للتمرد علي واقــــعهم المعيشي الصعب ، وهـم ينظرون لمن حولهم من بعض الزعامات والقيادات يعيشون حـــالة الترف والبذخ دون تحمل تلك الفئة مقاسمة المواطن إستحقاق عيشه بكرامة فى وطنه ... تلك الزعامات الطائـفية غير معفية من المسئولية وما اّلت إليه الأمور من انفجار الشارع على واقعه المعاش .

    لقد برع اللبنانيون وانفردوا بنظام سياسي تعــــددي وقدموا انموذجا يحـــــــتذى به ، بعد توقيعهم على اتفاق ( الطائف ) فى المملكة العربية السعودية الراعيــة للإتفاق الذى جــــــمع الفرقاء علي مائدة الحوار عام 1989 ، إلا أن هذا الاتفاق الذى أنهي فصلا داميا من فــصول الحـــرب الأهلية ، التي أتت علي الأخــــــضر واليابس فى ربوع لبنان في سبعينيات القــــرن الماضي وأودت بحياة الألاف من أبنائه فى حـــرب طائفية طاحنة ، جـعلت مـــن لبنان الجميل منارة الحرية والثقافة فى الشرق ، إلى بلد ممزق تشتم في أزقته وطــــرقاته رائحة الــــموت وتعشعش الغربان فى أبنيته وبيوته التى هجــــرها أهلها قصرا ، نتيجة الموت للبــعض منهم أوهجرتهم مكرهين للبعيد ... بحثا عن حياة ربما تكون الأفضل لهم ولأبنائهم ... جـــــاء ذلك الإتفاق لوقف نزيف الدم المراق ، وأعاد للبنان بعضا من وجهه المشرق بخطة إعمـار وبناء استنهضت اقتصاده من جديد ، فاستثمر فى الســـياسة والثـــقافة والســـــــياحة التي جـــعلت من هذا البلد الصغير بمساحته ، الكبير بأهله نموذجا فريدا بين الـــــدول الشـقيقة والصديقة  بنى فكرة حريته ودفع ثمنا باهظا لهذه الميزة ... لبنــــــــان الجـميل الحــــضاري ابن الكفاح الوطني يواجه اليوم واقعه الإقتصادي والإجتماعى المسلوب ، مع إستـمرار النخبة السياسية والطائفية بقيادة دفة البلاد والعباد.

  اللبنانيون اليوم يستعيدون بقوة فكرة حريتهم بالإختيار بعيدا عن لســـان طوائفهم ، رغم إجبار الحكومة على تقديم إستـــــقالتها ... إلا أن مطـــــالب الجماهير الغاضبة لم تلتفت لهذه الخطوة والتى لم تلبي الحد الأدنى لمطالبهم ، وطموحهم التى ثاروا من أجـلها برحيل زعماء الطوائف وكل القادة والزعماء ليفتحوا الباب على مصراعيه نحو حـــــريتهم ومستـــــــقبلهم ومصير لقمة عيشهم تحت شعار ( كلهن يعني كلهن ).

     هذا الشعب الحى الذى حول الميادين ومــراكز المدن إلى تجمعات فــــرح وإحتـجاج دون المساس بالممتلكات العامة أوالخـاصـــة ... لا يستحق التهديد أو الوعيــــــد من قبــــل زعيم أو فصـيل أو طائفة ، إنما يستحق رعــــاية وفــــهم عميق لمطالبهم المشــــــروعة بعيدا عن الإســتحواذ أوالتنمر من قبل بعض الأطـــــراف لإمتصاص غضب الشعب ، والإستـقواء عليه بأجـــــندات ربما تكون خيوطها مرتبطة بمصالح خارج حدودها الوطنية .

    بالمحصلة ... لبنان اليوم ... غير لبنان الأمس ... بثورة الفـــــــرح التى تجتاح كل لبنان سينتصر لقدره المحتوم ، بالإنتصار للبنانيته ولقمة عيشه بعيدا عن .. التبعية .. والتنمر ... والإستحواذ ... لان شعبه يستحق الحياة .. بكرامة .. وعزة .. وأنفة .