ماجد هديب - النجاح - صحيح بأن ظاهرة قتل الأولاد خوفا من الفقر قد انتهت بصورتها التقليدية منذ عصور ،حيث لم يعد الأب يذبح اولاده بسكين ،ولا حتى القيام بدفنهم وهم أحياء ،الا ان حالات القتل بسبب هذا الفقر والخوف من المستقبل ما زالت مستمرة ،بل وربما بطرق فاقت صور القتل في العصر الجاهلي ، لأننا بتنا نسمع عن قيام بعض الأباء بقتل اولادهم ، اما حرقا، او ذبحا ،من اجل التخلص مما هم فيه من فقر وخوف ،ولكننا سنتجاوز الحديث عن ذلك لصعوبة تصديق هذا الأمر مهما تحدثنا عنه بالوقائع والأحداث خاصة واننا في القرن الواحد والعشرين ، حيث سنتحدث هنا عن قتل الاباء للأبناء قتلا معنويا ،وهو دفع هؤلاء الاباء لأولادهم نحو الهجرة للخلاص من حالة الفقر ،والتهرب أيضا من الالتزامات نحوهم ،رغم وعي هؤلاء الاباء ما تحويه هذه الهجرة من مخاطر على حياة الابناء ،وقد بات هذا الدفع بمثابة المشاركة بقتل الابناء المهاجرين واعتقالهم بعد تعذيب ،ولذلك فان على الكتاب والإعلاميين وقادة الفكر والوعاظ أيضا عدم التزام الصمت  تجاه هذه الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الاباء بحق أولادهم والقول لهم وبصوت لا خشية منه ان لا تقتلوا اولادكم من املاق او خشية منه  .

ربما يستغرب قارئ هذه السطور  التهمة  المنسوبة لبعض الأباء، دون ان يعلم هذا القارئ نفسه انه قد يكون ودون شعور منه انه احد هؤلاء القتلة ،لان الفقر الشديد الذي يعاني منه الاباء في غزة ،مع عدم ثقتهم أيضا في المستقبل لأبنائهم ،وعدم قدرتهم على توفير حياة كريمة لهم  دفع هؤلاء الأباء  لحث ابنائهم على الهجرة خوفا على مستقبلهم رغم ما  تحويه تلك الهجرة من اخطار ،وبذلك يكون هؤلاء الاباء قد ارتكبوا نفس ما كان يقوم به الاباء في العصر الجاهلي ،بل ان عمليات القتل المعنوي التي يقوم بها بعض الاباء الان  تختلف عن العمليات التي كان يقوم بها الاباء  في الجاهلية ، فأولئك الجاهليون كانوا يقتلونهم قتلاً سريعاً ،اما الان ،ونحن الذين نعيش في عصر العولمة والتطور اصبحنا نقتل اولادنا قتلاً بطيئاً فيه تعذيب  ،واذا ما كان الاباء في العصر الجاهلي قد دفنوا اولادهم احياء خوفا عليهم من الفقر وغياب الامن ،فان بعض اباء اليوم لم يصلوا الى مستوى تكريم ابنائهم بالدفن لان جثث الكثير من هؤلاء الابناء  اصبحت في قاع البحر كطعام للأسماك .

ان غرق العشرات من المهاجرين الغزيين الذين كانوا ضحايا رحلات محفوفة بالمخاطر من أجل البحث عن حياة أفضل، وفقدان عشرات آخرين في الصحاري والادغال، ووقوع الالاف منهم فريسة للمهربين المحتالين، مع الاعتقال الذي طال الالاف منهم أيضا يجعلنا في حالة من الاصرار على مطالبة الجميع للوقوف امام مسؤولياتهم، وفي مقدمة هؤلاء الكتاب والصحفيين وقادة الفكر من اجل وحدة الصوت وعلوه في وجه هؤلاء الاباء الذين يدفعون أولادهم الى رحلة الموت والقول لهم بان لا تقتلوا اولادكم.

انا لا ادعو الاباء هنا للتوقف عن دفع اولادهم نحو الهجرة الامنة وان كان لي موقف منها، ولا حتى التوقف عن حثهم على توفير مستقبل أفضل لهم، ولا ادعو أيضا هؤلاء الاباء الى تحقيق حياة امنة لأبنائهم بطرق ملتوية لان كل من يرتكب إثماً لأجل أولاده فإنما يقتل أولاده قتلاً معنوياً ايضا، ولكني ادعوا الاباء لان يصرخوا معا وبصوت عال بوجه من وليناهم علينا اختيارا ،او ولوا أنفسهم علينا عنوة والقول لهم بان لا تجعلونا نقتل اولادنا هربا من الفقر الذي نحن فيه بسبب شعاراتكم وسياستكم ،فذلك  باعتقادي أفضل بكثير ،بل وارحم من دفع أبنائنا  نحو القتل خشية من املاق.