عبد الغني سلامة - النجاح - أقامت إسرائيل جدار الفصل العنصري بحجة توفير الأمن، ثم صادرت آلاف الدونمات وهدمت عشرات البيوت بحجة توفير الأمن للجدار! يوم أمس، اقتحمت قوات إسرائيلية مدججة بالسلاح "صور باهر" في القدس، وهدمت ست عشرة بناية سكنية، تضم نحو مائة شقة، بذريعة الأمن أيضا! وبذلك بات مئات الفلسطينيين بين ليلة وضحاها في العراء، مكشوفين تماما، بلا سقف يؤويهم.. وليس هناك مصيبة أعظم من فقد الإنسان بيته، وتلك جريمة بحق الإنسانية، تُضاف إلى عشرات الجرائم في سجل إسرائيل، والمثير للفزع أن هذه الدولة المارقة ممعنة في سياساتها الإجرامية وسط صمت عربي مشين، وتواطؤ دولي مريب.
في مؤتمر صحافي، أدان "صائب عريقات" الجريمة، وأعلن عن استعداد السلطة لتعويض العائلات المنكوبة، وتوفير مساكن مؤقتة لهم، وأن السلطة ستضم جرائم الهدم والتهجير إلى ملف الجنائية الدولية.. قد تكون تلك الخطوات غير كافية، لكنها مهمة.. واللافت أن وسائل التواصل الاجتماعي تجاهلت هذا الخبر، وصبّت غضبها على السلطة، حتى أن البعض طالبها بالسكوت، وعدم الاستنكار، لأن الشجب والإدانة لم يعد ذا معنى.. حتى لو كان هذا يعني قبولا ضمنيا بالجريمة! وامتناعا عن فضح ممارسات إسرائيل التعسفية! فالسلطة مدانة، سواء استنكرت أو لم تستنكر.. وآخرون طالبوا بالرد العسكري، وصواريخ المقاومة.. حتى لو أدى ذلك إلى حرب تدميرية ستدفع ثمنها غزة!
المهم أن نقول أي شيء، وأن نفجر غضبنا بأي وسيلة، دون التفكير بتبعات ما نقول.. 
كلنا يعلم أن تلك الجريمة ليست الأولى، فقد هدمت إسرائيل آلاف المنازل في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وفي قطاع غزة.. وحتى داخل الأراضي المحتلة العام 1948، ولعل قرية العراقيب أوضح مثال، التي تم هدمها عشرات المرات.. وفي كل مرة يتكرر نفس المشهد.. الكثير منا يتناسى أن مسؤولية الرد مسؤولية جماعية.. رد السلطة ضروري ومهم، ولكن الرد الشعبي ربما يكون أكثر فاعلية.. لكن البعض يستسهل توجيه اللوم للسلطة، ليبرئ نفسه، ويعفيها من المسؤولية.. وهذه مزايدة.. ولو تم تنظيم حملة تبرعات لإغاثة المنكوبين، فكم سيبلغ حجمها؟ وكم سيكون عدد المشاركين في مسيرات شعبية غاضبة؟ أسئلة موجهة لجماهير الفيسبوك. 
السلطة عاجزة ومقيدة ومقصرة، وكذلك الفصائل والأحزاب.. وحتى الجماهير.. هذه حقيقة مؤلمة، وهي انعكاس لحالة الضعف والعجز العربي والإسلامي.. وهذا كله من إفرازات النظام الدولي الجديد، ولا حاجة للقول إنه نظام ظالم وحقير.. ومن الطبيعي أن يولّد هذا كله الغضب في نفوس الناس، لذا يتوجب تفهّم ردود الفعل الشعبية الساخطة.. ولكن، ما زال بوسعنا أن نفعل الكثير.. وبطريقة أفضل.
ما يجري في القدس هو استمرار لسياسة إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين، وتنفيذا لمخططاتها في الضم والتوسع، ولكن هذه المرة بغطاء ودعم أميركي مفضوح، تحت مسمى "صفقة القرن"، وهو أيضا فرض عقوبات على الفلسطينيين، والضغط عليهم لدفعهم لتمرير المخطط الإسرائيلي الأميركي. 
قبلها بأيام، بدأت جرافات فلسطينية بتسوية 40 دونما في شمال غزة، لإقامة مستشفى ميداني بتمويل قطري، وهذا المستشفى سيكون تحت الإدارة الأمنية لإسرائيل، وبإشرافها الإداري.. دون أي تنسيق مع وزارة الصحة الفلسطينية، كأحد مخرجات "مؤتمر البحرين" التطبيعي.. لتحويل القضية الفلسطينية إلى مسألة إغاثة إنسانية.. والغريب هو موافقة "حماس" على ذلك. 
في مصادفة سيئة، تزامنت زيارة وفد "حماس" إلى إيران مع عمليات الهدم في القدس.. ممكن أن نتفهّم أن ترتيبات الزيارة معدة سلفاً، ولكن من الصعب تفهّم تصريحات "العاروري" بأن "إيران خط الدفاع الأول عن فلسطين"، وهذا يذكرنا بتصريحات سابقة لقيادات من "حماس" مفادها أنّ "(حماس) لن تسكت على أي اعتداء على إيران".. وتصريحات أخرى بأن "شبان (حماس) مستعدون للشهادة على الشواطئ التركية".. هذا انحراف للبوصلة، وبيع للقضية الفلسطينية في بورصة الصراعات الإقليمية.. 
هذا لا يعني أن موقف "فتح" كان مثاليا.. فهذه الحركة تربكنا بتقصيرها الفادح، خاصة في تحريك الشارع.. ولا يعفي أيضا بقية الفصائل، التي بالكاد تكتفي ببيانات الإدانة..
كما تزامنت عمليات الهدم مع زيارة وفد تطبيعي لصحافيين عرب إلى إسرائيل.. وهي خطوة مستهجنة، وتمثل طعنة في ظهر التضحيات الفلسطينية، وتواطؤا مع الجلاد الإسرائيلي.. لكن الاعتداء على "المغرد" السعودي في القدس، أوصل رسائل سلبية، وأتى بنتائج عكسية.. أتفهم تماما حالة السخط الفلسطيني، وردة الفعل الغاضبة تجاه هذا المطبّع.. ولكن (كما في كثير من المرات) نخطئ في كيفية إيصال الرسالة.. سيعتقد كل عربي ومسلم ومتضامن معنا، ممن شاهدوا الفيديو، أنه إذا زار القدس، سيلاقي نفس المصير المهين.. ثمة فرق كبير من يأتي لفلسطين متضامنا، ومن يأتي مطبعا.. وهذه يجب توضيحها.. الخطأ الثاني في التعميم، والانتقاد بلغة سوقية ليس للشخص المطبّع، بل للشعب الذي ينتمي إليه.. وهذا يجعلنا نخسر أصدقاءنا وحلفاءنا.. ويسيء لسمعة الشعب الفلسطيني.. ومن ناحية أخرى، كما نرفض تطبيع السعوديين وغيرهم، يتوجب بنفس القدر إدانة تطبيع "العمادي"، الذي ينحصر دوره في تمويل وإدامة الانقسام، بتنسيق كامل مع الإسرائيليين.
وفي نفس اليوم، تلقينا الخبر المحزن بوفاة "بسام الشكعة".. وهي خسارة كبيرة لقامة وطنية عالية.. وللجيل الجديد ممن لا يعرفون الرجل؛ "بسام الشكعة"، لم يكن مجرد رئيس بلدية؛ كان قائدا شعبيا وقوميا كبيرا، مثّل وقادَ صحوة جماهيرية وطنية واعية تجاه ما كان يُحاك من مخططات ضد القضية الفلسطينية، لشطب منظمة التحرير، واستبدالها بروابط القرى.. وقد دفع ثمنا باهظا لمواقفه الوطنية الشجاعة، إذ فجّر عملاء لإسرائيل سيارته عند مدخل بيته.. ومع أنه فقد رجليه في ذلك الاعتداء الآثم.. لكنه لم يفقد ابتسامته الواثقة، وقد قال حينها: "لقد اقتربت من الأرض أكثر"..
وهو نفس اليوم الذي يصادف ذكرى استشهاد "ناجي العلي"، رسام الكاريكاتير، الذي كان البوصلة الأمينة للثورة الفلسطينية.. قبل "بسام" بأيام قليلة ودعنا "وليم نصار"، وقبلهما ودعنا المئات والآلاف من الشهداء والمضحين والشخصيات الوطنية.. ما يؤكد بأن فلسطين، لم ولن تتوقف عن إنجاب الأبطال والمفكرين والقادة.. ولن يتوقف الشعب الفلسطيني عن التضحيات حتى يبلغ أهدافه الوطنية، لنيل الحرية والاستقلال.