د.اماني القرم - النجاح الإخباري - يقال إن الواقع هو عين الناظر، بمعنى أن ما تراه بعينك هو الحقيقة من وجهة نظرك.. وفي حياتنا عالمان: الواقعي والافتراضي .. وأهل عالم الحقيقة هم أنفسهم أهل العالم الافتراضي مع فارق أن الأقنعة هي التي تحكم الثاني والشخوص هي التي تعيش في الأول . والعالم الافتراضي هو عالم "السوشيال ميديا"، عالم الإنسان المثالي الذي يستطيع فيه أن يصول ويجول، ويصبح بطلاً له رؤية اجتماعية وسياسية ، ويصدر أحكاما وقرارات ويخلق مدنه الفاضلة بشوارعها وقوانينها وأناسها أمثاله بما لا يشابه أبداً عالم الواقع، فالحدود هنا هي السماء فحلّق كما شئت!

ومنذ القرن الماضي أضاف منظرو السياسة الشركات العابرة للقارات والفواعل غير الحكومية كمساهم في صنع السياسة العالمية.. واليوم تقف وسائل التواصل الاجتماعي بما تكونه من مدن افتراضية أوجدها التطور التكنولوجي والرقمي كلاعب أساسي في التأثير المباشر على دوائر صنع القرار وتشكيل الرأي العام . ولم يعد العقد الاجتماعي علاقة ثنائية تجمع الحاكم بالشعب فحسب، بل أصبح ثلاثية بين الشعب والحاكم وفي الوسط العالم الافتراضي أو "السوشيال ميديا" .. عين الحاكم على الشعب وعين الشعب على "الفيسبوك".. وأنا "فيسبوكيّ" إذاً أنا موجود..

ومنبع القوة في استخدام العالم الافتراضي تكمن في شقين: الأول، الحركة . فالإنسان في العالم الحقيقي هامشي/ رقم ليس له تأثير، بينما في المدن الافتراضية فاعل ومؤثر، وأحيانا سلطة تصدر القرار الذي هو عبارة عن "بوست" أو تغريدة تتحول إلى مادة للنقاش والجدل وتملأ الدنيا صخباً وضجيجاً. ففي هذا العالم أنت لا تكتفي بالصمت كما تفعل في العالم الحقيقي، بل تتحدث وتعبر عن رأيك وتتواصل مع آخرين وتصنع قوة ثقل مؤثرة ..

والشق الثاني: المعلومة (صحيحة كانت أم خاطئة)، فالكل يوثق اللحظة بكاميرته ويرفعها على صفحته. ولا داعي لانتظار وسائل الإعلام التقليدية لمعرفة الخبر، والغريب أن معلومة العالم الافتراضي تحظى بالانتشار والتفاعل في الفضاء السيبراني بسرعة البرق فضلاً عن المصداقية المفقودة في المألوف.

في حياة المواطن الفلسطيني، يشكل العالم الافتراضي حيزاً هاماً. 80% من الفلسطينيين يتابعون الأخبار عبر العالم الافتراضي، وجبهات الصراع الموجودة في الواقع امتدت إليه لتخلق وسيلة مختلفة في صنع النصر بين كل طرف . ومما لا شك فيه أن الشباب الفلسطيني استطاع أن يلعب دوراً تطوعياً هاما في المقاومة الإلكترونية الفلسطينية عبر نقل جرائم الاحتلال وتوصيل صورة فلسطين الإنسانية لجميع أنحاء العالم. ولكن ما تفقده الحملات الفلسطينية والجهد الطوعي للناشطين هو جهات راعية تدعمهم وتنظم عملهم ليتطور من استهلاكي إلى مؤثر فعلي ومغير للرأي العام العالمي.

أما بنو إسرائيل فيبرعون في استغلال الفضاء لتغيير الصورة الذهنية لإسرائيل لدى العرب والفلسطينيين بشكل مؤسساتي ومنظم وبوسائل متعددة كمخاطبتهم بلسان عربي معسول في محاولة لخلق قواسم مشتركة مع الآخر والمواظبة على التعليقات في أي موضوع كان، حيث لا يقتصر الأمر على السياسة بل يمتد لإبداء الآراء في الفنون والمجتمع، وتوجيه التهاني بالأعياد المسيحية والإسلامية. وتعد ظاهرة أفيخاي أدرعي الناطق باسم الجيش الإسرائيلي والناشط "فيسبوكياً" المتابع للأحداث العربية أبرز مثال للتغلغل الإسرائيلي عبر الفضاء السيبراني

فيا ترى لماذا لا نخلق نحن الفلسطينيين معادلا موضوعيا لهذا الأدرعي؟؟ يخاطب الرأي العام الإسرائيلي بلغته وبصورة مختلفة عن التقليدية، فالمدن الافتراضية تحتاج أبطالاً كما المدن الحقيقية...

[email protected]

عن القدس الفلسطينية