حنان باكير - النجاح - لقاء تمّت مصادفة، غير متوقعة. نقول "الصدفة خير من ألف ميعاد". إنه قول صدق. دعوة للغداء، في بيت فادية ويوسف عراقي، جعلتني أهرول من المطار، بعد رحلة طويلة مرهقة، واختصار للإجازة. فاللقاء يستحق. ونحن ما زلنا نلهث خلف شعبنا، الذي تركناه في الوطن، يحرس البحر والبيوت والبيارات.. وينتظروننا. كان اللقاء مع المحامي الحيفاوي فؤاد نقارة وزوجته سوزي، والمحامي حسن عبّادي وزوجته سميرة، إضافة الى المضيفين فادية ود. يوسف عراقي. لقاء يستحق التضحية والتعب. فها هي نسائم الوطن، وعبق تراب أرضنا الطيبة، ورائحة برتقالها، تصلنا الى بلاد الشمال البعيد.
أعادني اللقاء الى زمن التشوش الفكري، لدينا نحن الجيل الذي تربى، على حكايا الرحيل. ولم تكن مداركنا، تتسع لفكرة بقاء جزء من شعبنا متجذرا في أرضه. سيما نحن، الذين لم يبق أحد من أقاربه في الوطن.. فكانت مخيلتنا ترسمهم بلا ملامح، وربما ينتمون الى عالم الخوارق!
لاحقا، أدركنا اشكالية العلاقة مع شعبنا، الذي صمد وعانى، من التغيير الذي طرأ على حياته. وكثيرا ما تخيّلت العزلة والقطيعة، التي عانوا منها، حتى صاروا الجزء المنسيّ من شعبنا. فكانوا رهائن احتلال غريب الثقافة واللغة، وقطيعة عربية، عززت عزلتهم! لكن الحق الحق، أقول لهم.. أنتم من تحملون في مسامكم عبق الوطن، وفي صدوركم هواء بحره، وفي أبدانكم خيرات أرضه.
في العام 1982، أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، كان أول لقاء لي مع أحبة، لم أعرفهم من قبل! سمعت أن والدة وشقيقة صديقة أمي وجارتها، جاءت من عكا لزيارة ولديها، اللذين حرمت منهما، منذ نكبة العام 48. كابدت المرأة المسنّة، متاعب سفر غير عادي، في ظل حرب غير عادية. ترافقها ابنتها منيرة أبو حميد. التي أصرّت على أن تحقق أمنية أمها لرؤية ولديها، متحدية اعتراض بعض افراد عائلتها، قائلة: اذا ماتت هناك بدفنها في بيروت! كان لقائي بهما في بيروت، سريعا ومسوّرا بالخوف والقلق، وبالدروب المزوعة بالألغام. والقلب يفيض بالشغف والحنين، للقاء بعض من عجزت مخيلتنا عن رسمهم بوضوح. ومنذ اللحظة الأولى تحرك شيء في دواخلنا، يقول إننا أحبة، وإننا لم نفترق أبدا. فرح اللقيا، كنس مشاعر الخوف من القصف المجنون.
في أوسلو، كان اللقاء مع أحبة جاءوا من الزمان والمكان الأسطوريين، هنا النرويج، حيث الأمان والسلام. التقينا بلا خوف أو قلق. منذ لحظة الدهشة الأولى، غادرتنا الغربة، تعانقنا، ضحكنا، علت أصواتنا، المتداخلة والمترافقة مع ضحكات فرح، لا يتردد في الإفصاح عن نفسه.. فنحن في حضرة أحبة افتقدناهم وكأننا في سفرة طويلة، ولم يكن لقاء من يلتقون لأول مرة في حيواتهم! كان صديقي العكاوي، يعقوب حجازي، قد أخبرهم أني أقيم في النرويج. 
جلستنا التي امتدت حتى ساعات الصباح الأولى، لم تمرّ كثوان، من فرط السعادة، بل كانت بطول عمر كامل، عشناه معا.. بتجارب مختلفة. عاشوا معنا عذابات التيه، وحرقة الشوق والحنين، لمطارح الوطن الضائع. وأشكال الرحيل التي خبرها الفلسطيني..
وعشنا معهم سعادة التجذر بالأرض. سمعنا أسماء مدن وقرى، رددها أهلنا لنا، دون أن نعتقد بأنها أماكن حقيقية، لكن ألفة ضيوفنا مع الأماكن، وتحديد موقعها الجغرافي، أدهشتنا.. حدّ استحضار أرواح الراحلين، وهم يهجسون بها.
وعرفنا الكثير عن نادي حيفا الثقافي، وما يقومون به، من أنشطة أدبية وثقافية، ساهمت في الحفاظ على الهوية والانتماء، وكرّست أدبا فلسطينيا مميزا! واتفقنا على أن صراعنا، في جانب مهم منه هو صراع ثقافي حضاري! تبادلنا الكتب.. وجمعتنا الصور.. وتناولنا كعك التمر الحيفاوي، من صنع الأخت سميرة عبادي.
حكايا البقاء والرحيل، جزء مهم من جلستنا. تمازجت فيه التجربتان، لتحكي حكاية الفلسطيني الموزّع بين التجذر بالوطن، وبين شقاء الغربة! نشوة اللقاء، ما زالت تفعمني بفرح، لا يعادله إلا.. مشاهدة الوطن البعيدة المنال!

عن الحياة الجديدة