أكرم عطا الله - النجاح - من منا لا يذكر عودة ياسر عرفات؟
عندما تحولت الأسطورة إلى واقع اندفعت الناس بغزارة تتحسس شيئاً منها لتصدق أنه مثلنا وفينا وبيننا، بعد أن أوغل في رمزيته حد الأسطورة .. من منا لا يتذكر ذلك اليوم الذي كان يفتح فصلاً جديداً في تاريخ شعب امتهن الرحيل في العواصم، حالماً بعودة تجسدت رمزيتها بعودة البطل الذي ظل شاعرنا الكبير يصفها بالأدويسية؛ لأن بطلنا مثل بطل إيثاكا الذي خرج لتحرير طروادة وطالت رحلة المنفى قبل أن يعود مقبلاً الأرض؛ لأن أثينا أبلغته أنه صار في الوطن.
في إيثاكا كانت بينيلوب تنتظر حبيبها ...ونحن هنا كنا كذلك .. هي لحظة كان التاريخ فيها ينفتح أمامنا حاملاً في جعبته ما نشاء من الأمل المعلق والحلم الطفولي ببراءة الثوار قبل أن نكتشف دهاء التاريخ المكثف في رأس شمعون بيريس وورثته، وقبل أن يكتشف ياسر عرفات أنه انتقل من المنفى إلى السجن ليعلن تمرده مرة أخرى.
في مثل هذه الأيام وقبل ثلاثة وعشرين عاماً، كان ياسر عرفات يكتب فصلنا الجديد .. كانت كل وسائل الإعلام الدولية تحتشد في غزة تتابع مسيرة رجل لم يتوقف عن السير والتنقل، متسائلة هل هي محطته الأخيرة؟ وهي التي اعتادت على ملاحقته، باحثة عما يفك لغز هذا الصراع الطويل كأن مفتاح الحل في جيب صدره الصغير.
لقد تحولت تلك العودة إلى كابوس بالنسبة لبطل أدرك أنه وقع في كمين؛ عندما اكتشف أن المراوغة هي الوجهة التي ستحكم قواعد لعبته مع الشريك المخادع، وأن السقف المطلوب أبعد من أن يذهب إليه وأن طريق العودة للبدايات أعقد من أن يصلها، فقرر تحويل الدفة نحو بدايات أخرى، فكان الزمن غير الزمن، وأن شروط اللعبة قد تغيرت، لكنه عاند الزمن!
هنا ربما كان خطأ ياسر عرفات الذي اعتاد مشاكسة التاريخ، كان مشككاً بحدسه في اتفاق أوسلو قبل التوقيع، كما نقل عنه الكاتب محمد حسنين هيكل، الذي استدعاه الزعيم في مكتبه في تونس للاستشارة وهو يعرض عليه الاتفاق.
قال هيكل في كتابه «سلام الأوهام»: لم أجد عرفات متردداً في حياته كما رأيته في ذلك اللقاء. مرة يحدثني رافضاً، وأخرى يتحدث عن الانكسار الكبير بعد حرب الخليج والخوف من ضياع القضية كأنه يلتقط خشبة خلاص أخيرة قبل أن يسدل الستار على قضية أصيب عمقها العربي بالعطب بعد الحرب، معتقداً أنه سيتمكن من الوقوف على أرض الوطن ليبدأ من جديد.
كان يعرف وهو يلقي خطابه الأول في ساحة الجندي المجهول، الذي أمر فور عودته بإعادة نصبه ، أن إسرائيل ستبتلع توقيعها.. كان يتحدث عن صلح الحديبية وقد صدقت نبوءته، لكنه كان يعتقد أن الصراع وجهاً لوجه عن قرب بتواجد القيادة بين شعبها يمكن أن يحقق الانتصار وأن توفير مقومات الصمود لهذا الشعب والحد الأقصى من الوحدة ضمان مهم للمرحلة الجديدة.
وقد تمكن من تحقيق هذين الشرطين، ففي عصر ياسر عرفات لم يفكر أي فلسطيني بالرحيل من الوطن أو الهجرة إلى المنافي كما يحدث الآن، بل إن أرقام العودة كانت هي الظاهرة الوحيدة عندما تمكن من بناء مدن وتشييد شوارع وإقامة بنوك ومؤسسات واقتصاد استقطبت الخريجين وأنشأ المطار ووضع حجر الأساس لإقامة الميناء، وعلى الجانب الآخر كانت المؤسسات السياسية تعمل كخلية نحل. كان الجميع حوله يتفقون أو يختلفون معه، لكنه لم يقطع شعرة معاوية مع أحد.. حتى مع ألد خصومه كان أبو الوطنية الفلسطينية أباهم جميعا.
ياسر عرفات مدرسة في التاريخ الفلسطيني تحولت إلى ثقافة لدى الأجيال .. كان فلسطينيا حتى النخاع لم نفهمه جيدا، وظلمنا عودته قبل أن نندم على قصورنا في إدراك القدرة الكبيرة الكامنة في ذلك الجسد الصغير. عندما عاد تحولت غزة إلى مدينة تشبه المدن وأصبح لبحرها لوناً وطعماً ورائحة وأصبحت جديرة بالحياة قبل أن تنتزع روحها بسبب مغامرة قبل عشر سنوات من الآن وإسقاطها في العدم وتحويلها من رافعة للقضية الوطنية إلى عبء على القضية والشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
غزة تتوق لياسر عرفات.. تنتظر عودته، فأبطال الأساطير دائماً يعودون مرة أخرى وهو عودنا على ذلك .. غزة الحزينة لم تسجل فرحاً في نصف قرنها الأخير إلا بتوقيع ياسر عرفات الذي كان يحتفظ به كل فلسطيني كان يقصده، وكان يرد عليهم جميعا، وتلك كانت ذروة متعته أنه يشارك شعبه في قضاياه الصغيرة .. كان يسهر حتى آخر الليل وعندما ينهي كل المعاملات كان يخرج كما قال الصديق عبد الله النجار الذي رافقه في مكتبه، كان يضع يديه على حزامه العسكري متسائلاً بلكنته المصرية: «ضايل طلبات تانية.. شعبنا بيستنى».. كان لا ينام قبل أن يحقق أحلام الجميع.
كان سعيداً بعودته أكثر من الناس التي استقبلته حالمة، كان يستقبل الجميع ويصافحهم كلهم..  يلتقط معهم الصور ببراءة طفولية لم تحقق وطناً، ولكنها حققت أرقى أشكال العلاقة الإنسانية بين قائد مر كالبرق وشعب هو الأكثر حزناً في التاريخ.. كانوا يعوضون كل مآسيهم بابتسامته، بيده التي كانت تجسد مآسيهم.. بقلبه وبقلمه الذي لا يتوقف عن تحسسهم عندما يقف بحزامه العسكري وثوبه المهترئ آخر الليل قبل أن يغلق نهاية يوم عمله.. كيف كان يجد كل هذا الوقت لصناعة الأمل... هكذا هم رجال الأساطير.
لا مقارنة مع عصر ياسر عرفات في أي شيء، وكأن الحلم الذي انفتح على المدى مع تلك العودة الأدويسية انغلق عندما أغلق باب قبره فبدأ انهيارنا في كل شيء .. تباعد الأمل أكثر، وتباعدت الوحدة أكثر، وتباعدت الأحلام الوطنية والشخصية. وفي غزة كانت التراجيديا اليونانية تتجسد عندما قرر الهواة أخذنا إلى ملحمة دنكيشوتية، لنعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر وفي كل تفاصيلنا نبحث عن ياسر عرفات، وفي كل أزماتنا نبحث عن عودة جديدة هو عودنا عليها، فاجأنا أكثر من مرة أنه يعود من الموت، لكن تلك كانت عودته الأخيرة فلا بد للبطل من أن يموت في نهاية الأسطورة وتنتهي الحكاية..!