أنور رجب - النجاح - من الطبيعي أن تحظى الانتخابات الداخلية لحركة حماس بقدر من الاهتمام والمتابعة من قبل صناع القرار على مستويات عدة سياسية وأمنية، وكذلك من قبل وسائل الإعلام والكتاب والباحثين، وأن تخضع النتائج المنتظرة لهذه الانتخابات لتوقعات وقراءات وتحليلات متباينة ومختلفة، فقد فرضت حماس نفسها لاعباً مؤثراً في مجمل الوضع الفلسطيني من خلال صندوق الانتخابات وصندوق الرصاص الانقلابي على حد سواء، وساهمت سيطرتها على قطاع غزة بوضعها ضمن خارطة المحاور على المستوى الإقليمي، بغض النظر عن مستوى قدرتها أن تكون عنصراً فاعلاً أو مفعولاً به في تفاعلات تلك المحاور وتجاذباتها. وبعيداً عن تفاصيل العملية الانتخابية وقائمة الأسماء المتداولة، وللتوضيح فقط نشير إلى مسألة مهمة ذات علاقة بالانتخابات نفسها وهي: أن الطابع السري الذي يغلف العملية الانتخابية وآليات إجرائها داخل حماس يساهم في تقييد حرية الترشح والاختيار، كما تعمل بشكل أو بآخر على توجيه الأصوات لأسماء ضمن دائرة صغيرة لا يتجاوز عدد من فيها أصابع اليد الواحدة عن العدد المطلوب انتخابه، ومن هنا نجد أن أسماء القيادات في المراتب العليا وتحديداً في المكتب السياسي ومجلس الشورى تكاد تكون متطابقة مع الدورة التي تسبقها عدا اسمين أو ثلاثة، وبالتالي لا تشكل الأسماء الفائزة عند الإعلان عنها مفاجأة سواء لأبناء حماس أو المهتمين بمتابعتها، وهذا على النقيض من المراتب الأدنى (القيادات ومجالس الشورى المحلية) التي يكون فيها هامش التغيير أوسع، وربما هذا ما يفسر صعود وسيطرة قيادات من القسام على تلك المجالس في هذه الانتخابات "حسب ما ورد في العديد من وسائل الإعلام"، بعد أن سادت حالة من النفور بين أعضاء حماس من القيادات التي شغلت المجالس السابقة وكانت في أغلبها قيادات دعوية مرتبطة بالعمل الحكومي الموصوف بالفساد والعجز والفشل. 

من القضايا التي حازت على مساحة كبيرة في وسائل الإعلام، ما يتم تداوله حول تعيين إسماعيل هنية رئيساً للمكتب السياسي خلفاً لخالد مشعل وهذا أمر أصبح بحكم المؤكد، خاصة بعد أن حسمت حماس مصير مشعل السياسي فيها بتأكيدها على احترام النظام الداخلي للحركة وعدم ترشحه لرئاستها مرة أخرى. والسؤال هنا، هل ما أطاح بمشعل هو فعلاً لوائح وأنظمة الحركة الداخلية لحماس، أم أُطيح به بفعل فاعل؟ بداية، إن الحديث عن اللوائح والأنظمة الداخلية في الأحزاب الشمولية وخاصة الأيديولوجية منها وهو ما ينطبق على حركة حماس، هو في الحقيقة أمر بحاجة إلى تدقيق، ففي هذه الأحزاب تكون تلك اللوائح والأنظمة خاضعة في ثباتها أو تعديلها لمعايير تستجيب لرغبات القيادة الممسكة بزمام الأمور أو موازين القوى داخلها، فلو كان مشعل ما زال خياراً يحظى بالإجماع داخل حماس، أو يمتلك من أوراق القوة ما يؤهله للانتصار في معركة قيادة حماس لتغيرت البنود الخاصة بمدة بقاء رئيس المكتب السياسي في موقعه ولسمحت له بالبقاء لفترة أخرى، بينما حقيقة الأمر على الأقل من وجهة نظرنا هي أن قيادة حماس في غزة تمكنت أخيراً من الإطاحة بمشعل وحسمت الصراع مع حماس الخارج لصالحها بعد أن شرعنت سيطرتها على الحركة وكانت اللوائح والقوانين بمثابة المخرج اللائق والقانوني لحفظ ماء وجه مشعل والحركة معاً، وهذا الصراع لم يكن خافياً أو مستتراً فقد عبر عنه القيادي محمود الزهار الذي كان رأس الحربة في المعركة مع مشعل وفي أكثر من مناسبة وأحياناً بشكل فج الأمر الذي يعكس حجم الهوة بين القيادتين، وحول هذا الحديث يطول. وفي الوقت نفسه، وفرت المستجدات والتفاعلات التي تمر بها الحركة داخلياً، وما يرتبط بها على الصعيد الإقليمي ظروفاً مناسبة وربما ملحة لاستبعاد مشعل، وخلقت توافقا جماعيا ولو ضمنياً على اختيار هنية خليفة له سواء على مستوى الحركة أو مستوى الإقليم بما فيهما من تداخل وتقاطع. حيث فقد مشعل الكثير من أوراق القوة التي يمتلكها، فلم يعد دوره محورياً في تأمين الدعم المالي والسياسي للحركة بعد أن سحبت قيادة غزة وبالتدريج هذا الدور لصالح الحكومة وبالتالي لها، خاصة بعد أن أصبحت غزة محطة لزيارات وفود أجنبية وعربية ولم تعد منافذها مغلقة أمام قيادات حماس للسفر والعودة. كما أنه وبسقوط جماعة الإخوان في مصر خسر الدعم والإسناد الذي كان يحظى به منها بسبب تماثل موقفه حد التطابق معها في القضايا الإقليمية وعلى وجه التحديد الأزمة السورية. 

هذا بالإضافة لما تراه قيادة غزة من أحقيتها في هذا المنصب بحكم تصدرها لمقاومة الاحتلال( ...!!) وما تدفعه من ثمن جراء ذلك من دماء قادتها وكوادرها وتعرضهم للاغتيال والاعتقال ومعاناتها من الحروب المتكررة والحصار المفروض عليها، ناهيك عن تنامي التيار المعارض لسياسة مشعل اتجاه الملفات الإقليمية تحديداً ملفي الأزمة السورية والعلاقة مع قطر وتركيا والتقارب الكبير معهما على حساب العلاقة مع إيران وحزب الله، والتي جعلت من حماس "كالتي رقصت على السلم"، وكادت أن تخسر جميع الأطراف بسبب تخبط وتعارض وضبابية مواقفها في هذا الشأن، وعلاوة على ذلك أوجدت مواقف متشنجة من تلك الأطراف تجاه مشعل شخصياً ورفضاً للتعامل معه، الأمر الذي جعل منه حجرعثرة تجاه إعادة ترتيب العلاقة مع إيران وحزب الله. أما قطر وتركيا (التي بدأت علاقتها في التحسن مع إيران) فقد تكونان قد أدركتا مبكراً بحكم تقاربهما مع حماس أن قرارها في غزة وليس خارجها بحكم الأمر الواقع وأن مشعل حقيقة هو غير ذي صلة خاصة بعد أن فقد القدرة على تنفيذ ما يلتزم به إذا تعارض مع موقف قيادة غزة. أما بالنسبة لمصر فما يهمها في اللحظة الراهنة هو تعاون حماس في موضوع سيناء والعلاقة مع إخوان مصر، وهو العامل الرئيسي والأساسي في تحديد مستوى العلاقة معها، ولكنها بالقطع ستكون مرتاحة لاستبعاد مشعل المقيم في قطر، وهذا عامل آخر يضاف للعوامل الأخرى التي سهلت الإطاحة بمشعل، فإقامته خارج غزة تفرض عليه قدراً من التقيد بمواقف الدولة المضيفة ومراعاتها في مواقفه وحركته، وهذا ما لا ينطبق على إسماعيل هنية. أما لماذا إسماعيل هنية وليس موسى أبو مرزوق؟ فانه يمكن القول ان إسماعيل هنية يحظى بقدر كبير من الإجماع في وسط حماس سواء على المستوى القيادي أو القاعدي، وقد أهلته تجربته التنظيمية على رأس المكتب السياسي طوال الثمانية أعوام الماضية وما سبقها في قيادة الحركة وأذرعها على فهم خبايا وخفايا العلاقات والمحاور داخل الحركة وأن يقف على مسافة واحدة منها جميعا وفي مقدمتها الجهازان العسكري والأمني، وعزز من ذلك رئاسته لحكومة حماس منذ الانقلاب واستمراره في إدارة حكومة الظل بعد تشكيل حكومة التوافق الوطني وهذا ما منحه خبرة وتجربة أيضا في الملف السياسي وإدارة العلاقات الدولية. كما يحظى هنية بتوافق إقليمي ضمني بعكس أبو مرزوق الذي يعتبر الفيتو الإيراني عائقا رئيسياً أمامه حيث ينظر له بوصفه شريك مشعل في الخروج من "محور المقاومة والممانعة"، ناهيك عن التسريبات التي وجه فيها انتقادات قاسية وغير مألوفة حمساوياً لإيران.

 ومن جانب آخر لا تبدي قطر حماسة لأبو مرزوق لما يشاع عن قربه لمصر.   إذاً يمكن القول ان الإطاحة بمشعل، وتصعيد هنية لرئاسة المكتب السياسي تأتي استجابة لتفاعلات داخلية في حركة حماس لها علاقة بحالة الاستقطاب بين قيادتي غزة والخارج، واستجابة لاستراتيجية حماس في المرحلة المقبلة والتي من وجهة نظرنا ذات بعدين، الأول: إعادة صياغة علاقات الحركة على المستوى الإقليمي بما يتناسب مع السياسة التي تتبناها القيادة الجديدة ومحورها الرئيسي إعادة ترميم العلاقة مع إيران وحزب الله، وإيجاد قواسم مشتركة مع مصر من شأنها أن تعزيز من سيطرتها على قطاع غزة، والثاني هو إعادة النظر في تجربة حماس بكافة أذرعها فيما يتعلق بأدائها طوال الفترة الماضية، ومحاولة تصليب عودها من جديد على كافة المستويات، وهذا ما يمكن قراءته في مضامين فوز يحيى السنوار برئاسة المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة، وبالتالي يكون أحد النواب الثلاثة لرئيس المكتب السياسي الجديد لحماس، حيث ومنذ خروجه من السجون الإسرائيلية ضمن صفقة شاليط وانخراطه في مؤسسات الحركة تبنى وتصدر تطبيق هذه السياسة بشكل لا يخلو من الصرامة والإصرار.

 ولكن ما يهم الوطنية الفلسطينية هو أن تتناغم هذه الإستراتيجية مع المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وأن تكون بوصلتها اتجاه فلسطين والمشروع الوطني، وهذا لن يتم قبل أن تقوم حماس بفك ارتباطها مع جماعة الإخوان المسلمين، وإعادة الاعتبار للبعد الوطني في إستراتيجيتها بعد أن اختزلته في إطار البعد الديني والمشروع الإخواني الإسلاموي، وإجراء مراجعات جدية لمفهومها لمبدأ الشراكة والعلاقة مع الآخر وإقرارها والتزامها بالعملية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. بيد أن ما يلوح في الأفق يثير لدينا الكثير من الشكوك حول تساوق القيادة الجديدة مع مشروع دولة غزة الذي يتم العمل على فرضه أمراً واقعاً من خلال إسرائيل وبالتوافق مع قوى إقليمية ذات نفوذ وتأثير كبيرين على حماس وجماعة الإخوان المسلمين. وللحديث بقية