النجاح - على ضوء التقارب الحاصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، واللقاء الذي جمع زعيمي البلدين بعد سنوات من القطيعة، تبرز الحاجة لمعرفة أسباب وتوقيت تقارب الجانبين، ومدى علاقته بتوجهات سيؤول لخفض فاتورة تكلفة الحماية الأمريكية التي تدفعها سنويا، ومدى استفادتها من تجربة استنزاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لثروات دول الخليج، على شكل صفقات ومشاريع نظير الحماية الأمريكية، ورفضها لهذا الأسلوب الأمريكي.

وكان ترامب قال في تصريحات أثناء حملته الانتخابية عام 2016 إننا "لا نتقاضى شيئا. نتقاضى الفتات" مقابل نشر قوات في كوريا الجنوبية.

وأضاف: "كوريا الجنوبية ماكينة مال وتعطينا الفتات، يجب أن تدفع لنا.. وتدفع لنا الكثير جدا مقابل حمايتها" بحسب شبكة (سي إن إن).

وسُئل ترامب عما إن كان سيسحب الجنود الأمريكيين من كوريا الجنوبية إن هو فاز بالرئاسة فقال "سأسعى لأن تدفع كوريا الجنوبية لنا مبلغا كبيرا".

وتتحمل كوريا الجنوبية جزءا كبيرا من تكاليف نشر قوات أمريكية فيها منذ عام 1991 بعيد الحرب ما بيونغ يانغ، حيث تقدر التكلفة الإجمالية لتواجد نحو 28 ألف جندي أمريكي في سيؤول أكثر من 900 مليون دولا سنويا.

ورأى الخبير في الشؤون الدولية معصوم مرزوق أن لقاء الزعماء الكوريين لم يكن مفاجئا، لأن الصورة التي عكستها الإدارة الأمريكية مع كوريا وحملة التصعيد بين الجانبين خلال الفترة الفائتة كان بمثابة الدخان الذي يخفي خلفه قنوات سرية تعمل لتقريب وجهات النظر بمساعدة الصين الحليف الأبرز لكوريا الشمالية.

وأشار في حديث لـ"عربي21" إلى أن الدبلوماسية الصينية نجحت إلى حد كبير في تبريد أجواء الأزمة، وإتاحة الفرصة للقاء التاريخي الذي جمع زعيمي الكوريتين.

وحول استقلالية القرار الكوري الجنوبي قال: "سيؤول لا تستطيع أن تدافع عن نفسها أو تعبر عن نفسها اقتصاديا وأمنيا، فهي ما زالت تابعة للمنظومة الاستراتيجية الأمريكية في جنوب شرق آسيا، وهي ليست مستقلة تماما باتخاذ قراراتها، وأظن أن هناك استشارات واسعة جرت بين كوريا الجنوبية وواشنطن قبل الوصول إلى هذه المرحلة من العلاقات مع بيونغ يانغ".

لكنه لم يستبعد أن يكون لدى الجنوبيين حسابات أخرى مضيفا: "من الوارد أن يكون لدى المخطط الكوري الجنوبي  أسباب أخرى للإقدام على هذا النوع من التسوية مع الجارة الشمالية، وذلك بهدف التخلص من بعض التبعات الثقيلة الناجمة عن التبعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة التكلفة الباهظة للوجود الأمريكي على أراضيها".

وفي رده على سؤالنا حول مدى نجاح التقارب الحاصل في نزع السلاح النووي الكوري الشمال أجاب: "لدي شكوك كبيرة في ذلك لأن طبيعة وتركيبته النظام الكوري استبدادية، وهذه الأنظمة لا تجعل هذا النوع من التسويات يفضي إلى نزع أو تخفيض حدة التسلح النووي لأنها بذلك سوف تصبح عارية تماما، وسينزع عنها بحسب اعتقادها أسباب قوتها التي منحتها مركزا قويا".

وأضاف: " الأنظمة الاستبدادية لا تتخلى عن أوهام القوة لمجرد الحصول على تسويات سياسية ترى أنها غير مأمونة المستقبل".

أما الكاتبة الصحفية هدى جنات فقد ربطت بين التقارب الحاصل بين الكوريتين بوساطة صينية، وبين سياسة الابتزاز الأمريكي التي ترفضها، ولم تقبل بالابتزاز المالي من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظير الحماية الأمريكية.

وأضافت جنات في مقال لها: "قبل سنة تقريبا و بمجرد أن ضغط ترامب على كوريا الجنوبية من أجل شراء منظومات دفاعية بمليارات الدولارات تحت ذريعة حمايتها من أي هجوم كوري شمالي، وطلبه بأن تقوم كوريا بدفع فاتورة التواجد الأمريكي في كوريا الجنوبية كما فعل مع دول الخليج  باستعمال فزاعة إيران؛ طلبت كوريا الجنوبية من الصين أن تتوسط لها مع زعيم كوريا الشمالية.. وقالت إنها تريد سلام مع جارتها الشمالية وبذلك تتجنب ابتزاز ترامب واستغلاله للنزاع".

وأشارت الكاتبة إلى أن الصين دخلت كوسيط حيث أقنعت زعيم كوريا الشمالية "كيم" في زيارته الأخيرة للصين بلقاء الرئيس الكوري الجنوبي في منطقة حدودية .. وهكذا "ضربت الصين  3 عصافير بحجر واحد".

أولا: لم يعد لترامب أي عذر سواء بمهاجمة حليفتها الشمالية أو سرقة زبونتها الجنوبية.

ثانيا: لم يعد هنالك سبب لتواجد أسطوله الحربي في المياه الإقليمية للدول الثلاث.

ثالثا: كذلك قطع الطريق على تدخله في شؤون دول لها سيادة واقترابه من الحدود الصينية.

وقالت الكاتبة: "إن أمريكا أرادت الظهور بمظهر القوي التي فرضت على زعيم كوريا الشمالية القدوم للسلام ونزع سلاح، لكن الحقيقة أن ترامب يريد فقط أن يظهر في الصورة بعد أن أنجزت الصين كل شيء".

يذكر أن الزعيمين الكوريين التقيا الجمعة الماضية في أول قمة تاريخية تجمع البلدين منذ 11 عاما، واتفق كيم جونغ أون مع مون جاي إن على متابعة السعي لتحقيق السلام الدائم ونزع السلاح النووي بشكال كامل من شبه الجزيرة الكورية.