نابلس - النجاح الإخباري - لم تعد جراحات التجميل والترميم تقتصر على علاج الحروق والتشوهات والإصابات كما كانت في السابق، بل أصبحت اليوم جزءاً من حديث الناس اليومي، مدفوعة بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي ورغبة الكثيرين في تحسين مظهرهم أو تقليد المشاهير. وبين الحاجة الطبية والموضة الاجتماعية، تتسع الأسئلة حول حدود التجميل وأهدافه ومخاطره.
وضمن برنامج "عيادة على الهواء" الذي يبث كل "ثلاثاء" في تمام الساعة "3 عصراً" عبر إذاعة صوت النجاح، أوضح أخصائي الجراحة التجميلية والترميمية في مستشفى النجاح الوطني الجامعي، الدكتور محمد الصيفي، أن الجراحة الترميمية تختلف جوهرياً عن الجراحة التجميلية، إذ تهدف الأولى إلى استعادة وظيفة عضو أو إصلاح ضرر ناتج عن حروق أو حوادث أو تشوهات خلقية أو أورام، بينما تركز الثانية على تحسين الشكل الخارجي والمظهر العام.
وأكد الصيفي أن الجراحة التجميلية في أصلها "حاجة وليست ظاهرة"، مشيراً إلى أن استخدامها في علاج الحروق والتشوهات الخلقية والحوادث يجعلها جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية، إلا أن تأثير السوشال ميديا والترويج المستمر لصور الجمال المثالي دفعا كثيرين للتعامل معها باعتبارها موضة أو وسيلة للتشبه بالآخرين.
تجربة إنسانية مع جرحى غزة
وتوقف الصيفي عند تجربته في علاج مرضى من قطاع غزة جرى إجلاؤهم إلى الأردن بعد الحرب، واصفاً الحالات التي عاينها بأنها من بين الأصعب في مسيرته المهنية.
وقال إن معظم المرضى كانوا من الأطفال الذين تعرضوا لحروق شديدة أو إصابات بالشظايا أو بتر في الأطراف، إضافة إلى تشوهات في الوجه وفقدان للعينين في بعض الحالات.
وبيّن أن التدخلات الطبية لم تقتصر على الجانب التجميلي، بل هدفت إلى إعادة تأهيل المرضى وتمكينهم من استخدام الأطراف الصناعية أو استكمال مراحل العلاج، من خلال إزالة الأنسجة التالفة وترميم المناطق المصابة بواسطة زراعة الجلد أو السدائل الترميمية.
وأشار إلى أن وجود كفاءات فلسطينية متخصصة في هذا المجال مكّن المرضى من الحصول على خدمات نوعية كانت في السابق مرتبطة غالباً بوفود طبية أجنبية.
التجميل بين الضرورة والتقليد
ويرى الصيفي أن السنوات العشر الأخيرة شهدت انتشاراً واسعاً للإجراءات التجميلية غير الجراحية مثل البوتوكس والفيلر، لافتاً إلى أن جزءاً من هذا الإقبال يرتبط برغبة البعض في تحسين مظهرهم، بينما يعود جزء آخر إلى التأثر بما يفعله الآخرون.

وأوضح أن كثيراً من الأشخاص يراجعون العيادات دون وجود مشكلة واضحة تستدعي التدخل، وإنما بدافع التقليد أو الرغبة في تجربة ما هو شائع، مؤكداً أن الطبيب يتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية في توجيه المراجعين وإخبارهم عندما لا تكون هناك حاجة فعلية لأي إجراء.
وأضاف أن أي تدخل تجميلي، مهما بدا بسيطاً، لا يخلو من المخاطر، إذ قد تؤدي بعض الحقن إلى تكتلات تحت الجلد أو مضاعفات أخرى إذا لم تُنفذ بالشكل الصحيح.
فوضى في سوق التجميل
وحول واقع المهنة في فلسطين، أشار الصيفي عبر النجاح إلى أن التحدي الأكبر لا يتعلق بالمواد المستخدمة بقدر ما يتعلق بالشخص الذي يقوم بالإجراء التجميلي.
وأوضح أن المنتجات المرخصة تخضع لرقابة رسمية في الأصل، لكن المشكلة تكمن في غياب تنظيم واضح يحدد من يحق له ممارسة الإجراءات التجميلية، لافتاً إلى أن عدداً محدوداً فقط من الأطباء يحملون تخصصاً كاملاً في جراحة التجميل والترميم.
وأضاف أن العديد من الإجراءات تُجرى حالياً من قبل أطباء من تخصصات أخرى أو حتى من قبل أشخاص غير مختصين، ما يزيد من احتمالية حدوث المضاعفات ويجعل الحاجة ملحة إلى وضع ضوابط أكثر وضوحاً للمهنة.

هل التجميل للجميع؟
وأكد الصيفي أن العمر ليس العامل الحاسم في تحديد الحاجة إلى الإجراءات التجميلية، إذ تختلف الحاجة من شخص لآخر وفقاً للعوامل الوراثية وطبيعة البشرة والوزن والحالة الصحية العامة.
وأشار إلى أن الفئة العمرية الأكثر إقبالاً على هذه الإجراءات تتراوح غالباً بين الثلاثين والأربعين عاماً، وهي المرحلة التي تبدأ فيها علامات التقدم بالعمر أو آثار الحمل والولادة بالظهور لدى كثير من النساء.
وفي المقابل، شدد على أن بعض الحالات الصحية تتطلب دراسة دقيقة قبل أي تدخل، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من السكري أو مشاكل التئام الجروح أو أمراض مزمنة أخرى.
شفط الدهون ليس علاجاً للسمنة
ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة، بحسب الصيفي، الاعتقاد بأن شفط الدهون يُعد علاجاً للسمنة.
وأوضح أن هذه العمليات لا تهدف إلى إنقاص الوزن بشكل كبير، بل تُستخدم لإزالة تجمعات دهنية محددة تبقى موجودة رغم فقدان الوزن، فيما يحتاج الأشخاص الذين يعانون من السمنة إلى حلول مختلفة مثل تغيير نمط الحياة أو جراحات السمنة المتخصصة.

وأضاف أن اللجوء إلى شفط الدهون لدى الأشخاص الذين يعانون من سمنة مفرطة قد لا يحقق النتائج المتوقعة، بل قد يؤدي إلى زيادة الترهلات أو مشكلات أخرى.
الكشف المبكر يصنع الفرق
وفي ختام حديثه، دعا الصيفي إلى عدم التهاون مع الأورام الجلدية أو التشوهات التي قد تؤثر على وظائف الجسم، مؤكداً أن التدخل المبكر يسهم في تحسين فرص العلاج ويجعل عمليات الترميم أكثر بساطة ونجاحاً.
وشدد على ضرورة استشارة المختصين وعدم الاعتماد على الوصفات الشعبية أو المعلومات غير الموثوقة، مؤكداً أن القرار الصحيح يبدأ دائماً من التشخيص الطبي السليم.
لمشاهدة الحلقة كاملةً: