عبد المجيد سويلم - النجاح الإخباري - بصورة مباغتة، ودون سابق إنذار، وبالتزامن مع خطاب الرئيس في الأمم المتحدة، وكاستباق «مُبيّت» لهذا الخطاب، شنّت حركة حماس، وما زالت عبر منصاتها ومواقعها ووسائل إعلامها هجوماً لا تُعرف، أو لم تعلن أسبابه ومبرراته.
أن يتم توقيت هذا الهجوم مع الخطاب أو استباقاً له يمكن أن يكون «مفهوماً» لو أننا نعرف عنه، أو لو أننا استمعنا إليه، أو شاهدناه من على منصة الأمم المتحدة.
في هذه الحالة، قد يفسر الأمر على أنه خلاف مع الخطاب، في الجوهر أو المضمون أو حتى الشكل.
أما أن يتم الأمر قبل الخطاب، ودون معرفة أي شيء، أو دون نشر أي شيء مؤكد عن مضمونه، أو دون أن يكون في هذا الخطاب ـ حتى الآن ـ أي مسائل كبيرة أو حساسة أو مصيرية من الناحية السياسية، فهذه سابقة غير مسبوقة في علم السياسة، وفي التجربة السياسية التي نعرفها منذ اختراع الكتابة والقراءة وحتى يومنا هذا.
حركة حماس تطلق النار أولاً ثم تعاين الهدف!
بكل المقاييس فإن حركة حماس تستطيع أن تسجل لنفسها هذا الاختراع «الفذ»، وتستطيع أن تسجله لنفسها لضمان الملكية الفكرية لهذا الاختراع، حتى لا ينافسها عليه أحد. وهذا من «حقها» تماماً في هذه الحالة.
كلنا عاجزون طبعاً عن مناقشة حركة حماس في مضمون وأسباب ودوافع هجومها المباغت والمتزامن مع جلسة الأمم المتحدة، لأننا لا نعرف شيئاً عنها ولم تقل لنا حركة حماس ما هي الأسباب والدوافع لهذا الهجوم، والذي أو كل الذي سمعناه وشاهدناه وقرأناه يقول كل شيء تقريباً باستثناء هذه الدوافع والأسباب!
قد نكون في وضع يمكننا من مناقشة حركة حماس بعد الخطاب، وحينها سنرى فيما إذا كان لدى هذه الحركة ما تقوله، وما تفسر به وتبرره من مواقف، وما تراه من تبعات.
لكن ومع كل أسف، ومنذ، الآن، يبدو أن علينا عدم انتظار مثل هذه المواقف وهذه التبعات لأن مضمون وجوهر الخطاب ليس هو موضوع «الهجوم» المباغت، لأن الأسباب مختلفة والدوافع مغايرة، والخطاب لا هو الموضوع ولا هو المسألة.
سآتي على الأسباب والدوافع الحقيقية في نهاية هذا المقال، وسأنتقل، الآن، إلى الهجوم الحمساوي على الكوفية الفلسطينية، لأن هذا الهجوم بالذات على صلة جوهرية وعضوية بحقيقة ما جرى ويجري، وبحقيقة الأزمة التي افتعلتها، وتفتعلها حركة حماس.
ربما لا تعرف حركة حماس أن الكوفية الفلسطينية قد تحولت إلى رمز وطني كبير منذ نهايات عشرينيات القرن الماضي، وتبلورت كرمز وطني أثناء ثورة الـ»36»، وتحولت إلى رمز خاص وإضافي في تلك الثورة عندما ارتدى أهل المدينة والريف الفلسطيني كلهم الكوفية والعقال لإحباط استفراد القوات البريطانية بالفلاحين الفلسطينيين الذين اعتادوا لبس «الحطة والعقال».
وقد تكون حركة حماس «معذورة» في جهلها لهذه الحقائق، لأنها تأتي من خلفية فكرية لا تؤمن كثيراً بالوطن والوطنية والرموز الوطنية، وقد تكون «معذورة» أكثر لأنها جديدة العهد بالنضال الوطني، ولم يسبق لها ولا جذورها الفكرية والسياسية ان كانت جزءاً من الحركة الوطنية الفلسطينية قبل النكبة أو بعدها، وهي بهذا المعنى مستجدة على كامل هذا التاريخ.
المهم أن الكوفية بعد ذلك أصبحت رمزاً للقائد الوطني الكبير عبد القادر الحسيني، ثم تحولت إلى رمز وطني شامل على رأس القائد ياسر عرفات، وتحولت الكوفية الفلسطينية على رأس «أبو عمار» إلى «فلسطين» وطناً وشرفاً وقضية.
لا يوجد في عالم اليوم، رمز أقوى من كوفية عرفات، ولا يوجد وعي عالمي أعلى من الكوفية، ولا يوجد وحدة لهذا الرمز بين هذه «الغطاء» وبين الوطن، وبين قائد هذا الوطن كما هي الكوفية الفلسطينية.
اختلف مع عرفات في السياسة كما شئت، واختلف مع أبو مازن كما يحلو لك، واختلف مع «فتح» من هنا وحتى انقطاع النفس، ولك كامل «الحق» في الانتقاد، وفي الاختلاف، وفي التنافس، وفي التنافر، لكن ليس لأحد ـ كائناً من كان ـ أن يتطاول على الرموز الوطنية لأن المسألة هنا أبعد من الجريمة أو الجنحة أو الأذى أو الضرر.
المسألة هنا تتعلق بالعار وليس بصنف الخطأ.
أن يتطاول احد على الرموز الوطنية فهذه سقطة قاتلة سيصعب على من قاموا بها «التخلص» من عبئها المعنوي، ومن جريرتها الأخلاقية.
وإذا لم تسارع حركة حماس للاعتذار السريع للشعب الفلسطيني عن هذه الفعلة المشينة، والتي ستلحق بحركة حماس أشد أنواع الضرر والخسارة، فإنها ستفشل مرتين، مرة عندما أقدمت على ما أقدمت عليه، ومرة لأنها كابرت ولم تعتذر.
الكوفية الفلسطينية التي لها مثل هذا «الإرث» الوطني لا يمكن أن تكون «فتنة»، ومحاولات وصفها بذلك هو عار إضافي على العار الأول، والفتنة الوحيدة هنا هو فعل العار في الحالتين.
المؤسف، وربما المضحك والمبكي أن «معظم» منظمات «حقوق» الإنسان، وأبطال النفاق السياسي المهزوم قد أتوا على هذه الفعلة المشينة وطنياً على اعتبار أن اعتداء شرطة «حماس» على الطلبة المتشحين بالكوفية هو انتهاك لحرمة الجامعة ـ وهو انتهاك فاضح فعلاً ـ وهو أمر يتعارض مع «الحريات»، وهو فعلاً كذلك، لكنهم لم يأتوا على هذا الفعل الخطير من باب رمزيته الوطنية ولو حتى تلميحاً أو خجلاً.
كأن الكوفية ـ يا للعجب ـ هي ماركة تجارية أو كأن الطلبة يرتدون «بلاطين» الجينز الممزقة عند الركبة؟!
هذا «فعل سياسي» خطير، وهذا مساس غير مباشر، وتواطؤ من نوع جديد مع فعل الهجوم على رمز الكوفية ودلالتها.
وللرد على كل هؤلاء، وعلى كامل هذه المنظومة التي تستبيح الوطنية الفلسطينية، ورموز هذه الوطنية لا بد من رفع الكوفية عالياً على أكتاف مئات آلاف الفلسطينيين، ولا بد من رفع الكوفية عالياً على أسطح المنازل وفي الشوارع والحارات. وعلى قيادات العمل الوطني والشعبي كلها الحزبية والمدنية والنقابية والجماهيرية أن تعيد الاعتبار لهذه الكوفية الشامخة شموخ فلسطين وشعبها وقادتها الوطنيين على مرّ السنين.
الكوفية ليس لها علاقة لا بأوسلو ولا بمدريد، وليس لها علاقة، بأي خلفية سياسية أو فكرية، وليست ذات صلة بالأجندات والمصالح والخلافات والاختلافات لأن الصلة الوحيدة والأكيدة لهذه الكوفية هي الصلة بالوطن الفلسطيني، وبالكفاح الفلسطيني، إنها الصلة الملتحمة بفلسطين، وفقط بفلسطين.
أعود، الآن، لأسباب ودوافع الهجوم المباغت وافتعال الأزمة؛ الموضوع ببساطة هو أن حركة حماس شعرت أن القيادة الشرعية رغم كل ما سجل عليها من ملاحظات في الأداء في الآونة الأخيرة استطاعت أن تستعيد جزءاً من رصيدها الدولي والإقليمي، وبالتالي سقطت المراهنات على النيل منها على مدار كامل مرحلة ترامب ونتنياهو، وسقطت وتسقط، الآن، من خلال نفتالي بينيت، وهو ما تراه حركة حماس تهميشاً مؤكداً لدورها الذي كانت تعد نفسها له، بل وسقط مشروع دولة غزة أو هو في الطريق، ولذلك كان «لا بدّ» من هذه الأزمة لشد الأنظار والأضواء التي ابتعدت عنها.