المحامي إبراهيم شعبان - النجاح الإخباري - قام الأمير وليم نجل الأمير تشارلز والموعود بالعرش البريطاني يوما بزيارة للمنطقة وصفت بأنها تاريخية، حل بها ضيفا على الأردن وإسرائيل وفلسطين. وقام وريث الدولة الإستعمارية بزيارات دافئة لكثير من الشخصيات والأماكن في المنطقة. وزار أماكن ساهمت حكومته عبر التاريخ القريب في خلق وتشويه حقائق ووقائع، ولم يبق فيها إلا حديثه العذب المحب دونما إشارة إلى تاريخ ملكيته الحافل بالقتل والسلب وإهدار الحقوق.

ومن ضمن ما زار الحرم القدسي الشريف حيث كان الجميع في استقباله من دائرة الأوقاف الإسلامية والهيئة الإسلامية العليا ومفتي القدس والقائم بأعمال قاضي القضاة. وزار أيضا حائط البراق الإسلامي ووضع وريقة في ثناياه، وضع فيها تمنياته تيمنا بالتقليد اليهودي، بعد أن قدم الصلوات فيما يسمى "ياد فاشيم" حزنا على الكوارث التي حلت بالشعب اليهودي وبطولاته .

وقطعا زار كنيسة القيامة حيث استقبله رهبانها، وحيث شاهد بأم عينيه الإخاء الإسلامي المسيحي عبر مفتاح باب كنيسة القيامة المودع لدى المسلمين. وقد تبارى الخطباء عندنا في الترحيب بهذا الضيف طويل القامة، الذي تسري فيه دماء زرقاء، تعبر عن الملكية البريطانية العريقة ولا يهمني ما قيل عنه في الطرف الآخر. ونسي الجميع من هي بريطانيا وتاريخها الأسود بحق الفلسطينيين. واعتقدوا بسذاجة أو ببلاهة أن هذا الأمير الأمي جاء ليتعلم منهم التاريخ الفلسطيني والنضال الفلسطيني على حد قول قنصله العام السيد فيليب هول.

ابتداء، من المعروف ولا يحتاج إلى تقرير ولا إلى تأكيد، أن العائلة المالكة البريطانية بدءا من الملكة وانتهاء بأي أمير على اختلاف أسمائهم لا تشكل سلطة تنفيذية فاعلة وذات صلاحيات بل هي سلطة شرفية وسلطة بروتوكولات توقع القوانين وتستقبل السفراء ومصدر دخل سياحي بارز للدولة البريطانية عبر تقاليدها الممارسة ومن يمارس السلطة الحقيقية هي السلطة التنفيذية المسماة برئاسة الوزارة البريطانية. لذلك ليس من المتوقع أن يمارس الأمير ولا الملكة أو ولي العهد أي دور سياسي حقيقي، كما هو حاصل في المملكات العربية. لكن تبقى الملكة رئيسة البلاد البريطانية الشكلية تعين الوزارات وتقبل استقالة الوزارات ولو شكلا. وبالتالي فالرجل إنسان له حق التكريم والإحترام، لكن دولته كدولة ذات سلطات وصلاحيات وسياسات ارتكبت الموبقات، وتركت جراحا لم تندمل بحق الشعب الفلسطيني.

لكن هذه الدولة التي كان اسمها يوما بالإمبراطورية البريطانية، والتي كانت الشمس لا تغيب عن مستعمراتها وليس عن أراضيها، فعلت العجب العجاب بحق شعوب الأرض المناضلة المقاومة وحقوقهم السياسية والوطنية والإقتصادية والمالية كالشعب الهندي والشعب المصري، ومنها قطعا الشعب الفلسطيني ألمقاوم وتركت آثارا لم تندمل ليومنا هذا. الا تذكرون معاهدة سايكس بيكو السرية بين وزير الخارجية البريطاني والفرنسي التي تم من خلالها اقتسام أراضي الدولة العثمانية وتلاه مؤتمر سان ريمو، وخدعوا الأمير حسين ومزقوا مراسلات مكماهون، وقبل كل ذلك لورنس الشاذ الجاسوس الأول البريطاني الذي خدع الجميع.

أذكر وأذّكر كيف احتلت بريطانيا فلسطين عام 1917وقال الجنرال اللنبي قولته الشهيرة الساخرة والمستهزئة حينما دخل القدس " الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين ".

أذكر وأذكّر كيف قامت ما يسمى باللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني آنذاك بوعد بلفور المشئوم.

أتذكر كيف قامت الدولة البريطانية بإدراج وعد بلفور في صك الإنتداب الأممي وأعطت أول شرعية مزعومة لإسرائيل. أذكر واذكر كيف قامت بريطانيا بالتضييق على الشعب الفلسطيني، وتسهيل الهجرة اليهودية لفلسطين من خلال مندوبيها السامين. أستذكر الدور البريطاني المشبوه في أحداث البراق الدموية عام 1929.

استذكر دور الدولة البريطانية في إضراب عام 1936 ودورها في تقسيم فلسطين عبر القرار الأممي رقم 181 من عام 1947 يوم أن قدمت مشروع القرار للأمم المتحدة ولم تصوت عليه عملا بحيادها المزعوم. اذكر قرار 242 الغامض والذي لم يطبق بعد والذي وضعه اللورد كارادون – الحاكم العسكري السابق لنابلس - المندوب البريطاني في مجلس الأمن . أفبعد هذا التاريخ الحافل من دولته بالخيانة والتقسيم والإضرار بمقدرات الشعب الفلسطيني نكرم الأمير.

قد يقول قائل أن هذا تاريخ قديم وان لا نكون أسراه، ويجب طيه وطيّ صفحاته، وأن نبدأ تاريخا جديدا. ولكن ماذا قدمت بريطانيا الحديثة للشعب الفلسطيني غير النكبات والسواد بل هي كانت الأس في ذلك ولم تحاول أن تصلح ما فعلته وما قامت به.

هل سمعتم أن بريطانيا ندمت على وعد بلفور فقررت أن تعتذر للشعب الفلسطيني على غلطتها التاريخية بحق الشعب الفلسطيني عبر إصدار بيان يتراجع عن هذا الوعد؟ الحكومة البريطانية ليومنا هذا لم تعترف بالدولة الفلسطينية الورقية القانونية.

هي قامت بتعديل قانون الملاحقة البريطانية بخصوص جرائم الحرب خدمة للإسرائيليين. وهي التي شنت حرب العدوان الثلاثي على مصر وعلى صدام حسين عبر رئيس وزرائها مجرم الحرب توني بلير.

هل سمعتم أن بريطانيا قررت أن تدفع تعويضات للشعب الفلسطيني عن ممارساتها بحقه وعن جرائمها التاريخية. هل قررت بريطانيا تعويضا عن جرائمها أن تقدم مساعدات فورية للشعب الفلسطيني في القدس أو في القطاع أو في الضفة أو تستقبل مئات الطلبة الفلسطينيين بل هي تقدم الفتات وتكتفي به بل تتجمّل علينا به. هل قررت بريطانيا أن تقف بوجه الضم الإسرائيلي للقدس العربية في المحافل الدولية.بل لماذا تختصر القنصلية البريطانية في أنشطتها في القدس العربية؟ ونقلت تأشيراتها لخارج مدينة القدس المحتلة.

صحيح ان الشعب العربي الفلسطيني شعب دافىء المشاعر وبرحب بضيوفه ويكرم وفادتهم، لكن الأخطر أن ذاكرتنا قصيرة بل قصيرة جدا. ننسى أو نتناسى تاريخنا القريب بل حقوقنا من أجل حفنة كلام أدبي نسمعه، ولفظيات فارغة تشنف آذاننا،ومشاعر كاذبة وقتية تدغدغ عواطفنا.

الحقوق الفلسطينية حقوق ثابتة غير قابلة للتنازل ولا تسقط بمرور الزمن ولا بزيارة أميرية هنا أو هناك فالكلام المعسول لا يطهو الجزر الأبيض!!!

عن صحيفة القدس