فؤاد ابو حامد - النجاح الإخباري - في طفولتي، كنت أتجول كثيراً في الأراضي الغربية لقريتي صور باهر، حيث ستعمل هناك السفارة الجديدة للولايات المتحدة. مئات الدونمات كانت تزرع هناك، وبساتين الزيتون وأشجار الفاكهة كانت تملأ المكان.
وبعد عام 1967، واصل مستوطنو "كيبوتس رمات راحيل" المقام على أراضي قريتي، أيضاً، زراعة مناطق واسعة بأشجار الكرز والتفاح. كانت هذه المنطقة جميلة جدّاً. رعاة الاغنام كانوا يرعون أغنامهم هناك. وأذكر أنني في أوقات الامتحانات كنت أذهب هناك مع أصدقائي للدراسة. بعض الأوقات كنا نلتقي سياحاً أجانب كانوا ينزلون في فندق "الديبلومات"، الذي أقيم مباشرة بعد عام 1967. أحد السياح الاميركيين الذي التقيت به هناك ذات مرة، أعجب بقدرتي على التواصل معه بلغته الانكليزية، وكنت في عمر صغير. لم يخطر ببالي أو بباله حينها أن هذه المنطقة ستصبح بهذا القدر من الأهمية.
عمل أبي في بناء فندق "الديبلومات" في مطلع السبعينيات، وكذلك عدد كبير من الشبان من القرية الذين عملوا في الفندق أيضاً بعد افتتاحه رسميا. كان هذا فندق "خمسة نجوم". كان كل شيء فيه يلمع. قضيت مع أصدقائي ساعات طويلة في مراقبة عشرات الباصات التي تقل السياح إلى الفندق.
كبار السن في القرية يروون أن الأراضي التي أقيمت عليها القنصلية الأمريكية، التي ستصبح من الآن سفارة، تملكها عائلة عميرة من قريتنا. بعد الحرب، أصبحت كل المنطقة حقول ألغام ضخمة. وهناك، مرّ خط الهدنة الذي أصبح لاحقاً يسمى الخط الأخضر.
في هذه الأيام، عملت بلدية الاحتلال في القدس على تزيين الشوارع المحيطة بمبنى السفارة الأمريكية في القدس. الشوارع خطّطت من جديد، وعلقت أعلام إسرائيل وأمريكا في كل مكان. في هذه الأيام، سينتقل السفير الإمريكي لمكتبه الجديد.
مع دخوله، سيتوجه السفير الأمريكي إلى شباك مكتبه، وامام ناظريه سيكون الوادي الملاصق للسفارة. هناك، كان لعائلتي ولعائلات أخرى من القرية مئات الدونمات. في الماضي، فلحنا هذه الأراضي، ولكن، ومنذ عام 1948، فقدنا هذه الأراضي على مراحل، كان آخرها في عام 1987، حيث صادر الاحتلال مئات الدونمات من القرية حتى خط البيوت الأولى من قرية صورباهر، وهي ما تبقى من هذه الأراضي.
عندما ينظر من شباك مكتبه، لن يتمكن "سعادة السفير" أن يتجاهل قريتي صور باهر. فهو المنظر الذي سيشاهده كل صباح. المسافة قريبة جدّاً. سيسمع بوضوح صوت المؤذن. وسيشاهد ايضا أكوام القمامة المتجمعة في الشوارع، التي لا تنظفها بلدية الاحتلال في القدس. سيضطر رغماً عنه إلى أن يتعرف على الضوائق التي يعاني منها السكان، فهم دون منظومة مجاري، ويعيشون إهمالاً كبيراً للجهاز التعليمي. سيستطيع أيضاً رؤية التمييز في رخص البناء التي تعطى لنا نحن الفلسطينيين الذين يسكنون في مدينة القدس، مقابل اليهود. إذ يسمح لنا ببناء طابقين فقط، طبعا ذلك لمن كان حظه جيداً وحصل على الرخصة. أما عند اليهود، فيستطيع "سعادة السفير" أن يشاهد الأبراج التي تحوي آلاف الوحدات السكنية التي بنيت شرق الخط الأخضر على الأراضي التابعة لقريتي.
يثير فضولي كيف سيتصرف "سعادة السفير" عندما سيشاهد الجرافات الإسرائيلية تتوجه لهدم أحد المنازل الفلسطينية بحجة "عدم وجود ترخيص"، في الوقت الذي لا تصادق فيه البلدية على المخططات الهيكلية للأحياء الفلسطينية!
إن نقل وافتتاح السفارة الأمريكية سيصبّان الزيت على النار فقط، هذه ستكون خطوة غطرسة أخرى -واحدة من خطوات كثيرة- ضمن سياسة الإملاءات التي تنتهجها إسرائيل ضد مواطني المدينة الفلسطينيين، وذلك من أجل إثبات حقائق على الأرض حتى يتسنى لها أن تزيل ملف القدس من طاولة المفاوضات إلى الأبد.
إن هذا التجاهل لحقوق المواطنين الفلسطينيين لم ينفع على طول السنين الماضية، وهو سيستمر في جر المنطقة إلى الويلات، كما كان في الماضي.
ترجمة بتصرف عن هآرتس