طلال عوكل - النجاح - كان من المتوقع، بالنسبة لمن يتابع بعمق وموضوعية، ان لا تكون نتائج ومخرجات لقاءات الفصائل العشرة في موسكو، افضل من المدخلات، والمؤشرات التي سبقت تلك الدعوة.

كان من المعلوم، ان موسكو لا تملك، ما يؤهلها للنجاح في تحقيق اختراق في ملف انهاء الانقسام، لم تنجح القاهرة بكل ما تملك من اوراق في تحقيق ذلك الاختراق. موسكو تمثل بعداً سياسياً استراتيجياً بالنسبة للقضية الفلسطينية، لكنها في هذه الفترة، تحاول التقدم بحذر وبطئ باتجاه التعامل مع ملف الصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي.

لا تتطابق حسابات موسكو واستراتيجياتها في المنطقة مع استراتيجية الفلسطينيين، ونقصد في هذه المرحلة، ولم تقرر بعد تركيز جهدها وامكانياتها في مواجهة مخططات واستراتيجيات الحلف الامريكي الاسرائيلي، الساعي لتصفية القضية الفلسطينية، واقامة محاور واحلاف بعض اهدافها مناهضة ووقف تقدم الدور الروسي بذريعة  مواجهة الخطر الايراني الذي يتمدد في المنطقة .

انطلاقاً من وعيها لهذه الحقائق لم تكن الدعوة الروسية للفصائل الفلسطينية تستهدف التركيز على هدف انهاء ملف الانقسام، وحتى لا يكون ذلك سبباً في فشل المبادرة الروسية التي تكتفي بتذكير الفلسطينيين، بانها تعارض السياسة الامريكية، وانها تقف الى جانبهم، الامر الذي يستدعي توحيد صفوفهم. الرسالة الروسية وان كانت مفهومة لدى كل الفلسطينيين الا انها عمليا لم تحدث اي تغيير على واقع حال الانقسام، الذي ربما يشهد فصولا جديدة، مريرة من الصراع.

التصريحات التي صدرت عن مسؤولين فلسطينيين خلال اليومين الاولين من الحوار، قدمت انطباعات ايجابية خاطئة، اذ بدا الحديث عن اختراق حالة الجمود في العلاقة بين فتح وحماس، وكانه شكل من اشكال المجاملة للروس، الصورة وما كان لها ان تظل ايجابية وواعدة، حيث لم تنجح الفصائل في التوصل الى اصدار بيان جماعي لم يكن له في كل الاحوال لان يخرج عن الصياغات العامة.

لا يعود ذلك الخلاف على البيان الى تحفظ حركة الجهاد الاسلامي على بندين في مشروع البيان، فلقد كان بالإمكان اصداره من قبل الفصائل الاخرى مع احتفاظ حركة الجهاد في موقفها، لكن البيان لم يصدر لأسباب اخرى، اسباب عادت لتشكل مادة لتبادل الاتهامات.

نتائج لقاءات موسكو عمليا اعادت الامور الى ما قبلها، حيث يتحضر كل طرف لاتخاذ المزيد من الاجراءات ضد الطرف الاخر.

العاجل من هذه الاجراءات يصدر عن حركة حماس، التي بدأت اجراءات بحق موظفي السلطة في معبر كرم ابو سالم، لدوافع تقول انها مالية وامنية. الدوافع الامنية تنطوي على اتهامات موظفي السلطة على معبر كرم ابو سالم، بانهم مسؤولين عن ادخال معدات، استخدمتها المجموعة الاستخباراتية الاسرائيلية في عملياتها شرق خانيونس .

اما الدوافع المالية فهي تتصل بحالة تراجع مداخيل سلطة الامر الواقع في غزة، التي بدأت تختنق بسبب محدودية التمويل، وتفاقمت ازمتها المالية، فضلا عن منع السلطة من جباية الضرائب والرسوم على التجارة، والتي تعود الى خزينة السلطة. هذا يعني ان السلطة في رام الله من المتوقع ان تتخذ المزيد من الاجراءات القاسية لخنق حركة حماس، التي تعود للسيطرة على المعابر ما عدا معبر بيت حانون والتي تدر عليها مداخيل لا بأس بها، وبدون ان تتوقع ضررا، خصوصا بعد تجربة معبر رفح الذي لا يزال مفتوحا رغم انسحاب موظفي السلطة منه. وفي الحقيقة، فإنه بات من غير الممكن تغيير واقع حال الفلسطينيين حتى ولو أن القاهرة عادت لتنشيط دورها في ملف إنهاء الانقسام، فلو أن الأمر كان سهلا أو ممكنا لما احتاج الفلسطينيون إلى اية وساطات عربية أو غير عربية.

المؤسف إلى حد الألم أن الحالة الفلسطينية تتجه نحو المزيد من الانقسام والصراع والاشتباك واستنزاف القوة، رغم إدراك الكل الفلسطيني لمدى خطورة السياسة الأمريكية الإسرائيلية.

التي حققت المزيد من النجاح بانعقاد مؤتمر وارسو، رغم ما يقال عن هشاشة وضعف نتائجه. معنى بقاء الحال على حاله، هو أن على الفلسطينيين أن يتنافسوا كل من موقعه وكل بما يملك من إمكانيات. لمواجهة وإفشال مخططات الملف الأمريكي الإسرائيلي، وصفقة القرن، وأن نجاح هذا الطرف او ذاك، يشكل الأفضلية بالنسبة له، فهل يفعل الفلسطينيون ذلك، أم يواصلوا استنزاف ما تبقى من قوتهم؟