طلال عوكل - النجاح - محتدم السباق بين الخيار الفلسطيني والخيار الأمريكي الإسرائيلي، فيما يتعلق باتجاهات تطور الأوضاع بالنسبة لقطاع غزة. إذا كان التحالف الأمريكي الإسرائيلي قد أعد كل ما يلزم من أموال ومن أدوات، و من دعم سياسي إقليمي ودولي، لتأهيل قطاع غزة لكي يكون الحلقة الواجبة والمستعجلة في صفقة القرن، فإن الفلسطينيين ملزمون بحل عقدة الانقسام وعودة غزة إلى السلطة الشرعية.صفقة القرن ومن يقف خلفها يسعون لأن تكون غزة، المكان المتاح لإقامة كيان فلسطيني في وقت لاحق، فيما الفلسطينيون يسعون وراء استعادة وحدتهم في مواجهة صفقة القرن، التي تترجم بالضبط السياسة الإسرائيلية التوسعية. تستعجل إسرائيل انجاز هذا الهدف تمهيدا لما تعتبره استحقاق عاجل أيضا، وهو الانتقال إلى الضفة باعتبارها الحلقة التالية. مصدر الاستعجال يكمن في ان إسرائيل لم تحلم يوما بوجود إدارة أمريكية كتلك الموجودة في البيت الأبيض، إذ يحدوها الأمل في تحقيق الجزء الأكبر من أطماعها التوسعية. استثمارا لهذه الفرصة سعت إسرائيل إلى الحصول على موافقة الكونجرس الأمريكي للإعلان عن ضم الجولان السوري تحت سيادتها، وحين لم تنجح بدأت بالضغط للحصول على هذه الموافقة من الادارة الأمريكية.

بالفم الملآن تتحدث إسرائيل عن سعيها الحثيث للتخلص نهائيا من مسؤولياتها كدولة احتلال عن مليوني فلسطيني في غزة، حتى لو تطلب ذلك التنازل شكليا عن بعض ما دأبت على التمسك به. لا ينتظر التحالف الأمريكي الإسرائيلي موافقة من أي طرف فلسطيني، فالصفقة بكل مفاصلها مطروحة للإملاء والفرض، فإذا حظيت بعض مفاصلها بموافقة الفلسطينيين كان ذلك من باب تسهيل عملية التطبيق، ولذلك لا يمانع هذا الحلف في أن تكون السلطة الفلسطينية الشرعية هي العنوان في غزة. الفلسطينيون يدركون كل هذه الحقائق ومدى خطورة السياسة الأمريكية الإسرائيلية، ولذلك فإن اراداتهم السياسية باتت حاضرة وأكثر جاهزية لمعالجة موضوع الانقسام، وعودة غزة لحضن الشرعية، وذلك لدوافع إفشال صفقة القرن وفرض الخيار الفلسطيني.

على هذا النحو يمكن تفسير الحراك الذي نشط مؤخرا بمبادرة من القاهرة، بدعوة حركتي فتح وحماس لحوارحول رؤية جديدة لكيفية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مايو 2011، ولقطع الطريق على الخيار الأمريكي الإسرائيلي.

مع أن الجمهور الفلسطيني ما يزال يبدي تحفظا إزاء التفاؤل بإمكانية تحقيق المصالحة، وكذلك الحال بالنسبةلبعض الكتاب والمحللين السياسيين بسبب كثرة خيبات الأمل، إلا ان ثمة جديد يدعو للاعتقاد أن المحاولة هذه المرة تنطوي على جدية بسبب تغير الظروف وضيق الوقت المتاح. وبغض النظر عن التصريحات الإيجابية والمتفائلة التي تصدر عن مسؤولين في حركتي فتح وحماس، فإن التحليل الموضوعي للوقائع المرئية وغير المرئية يرجح أن تبدأ قريبا رحلة العوة عن مرحلة طويلة من الانقسام الخطير، ونحو مرحلة جديدة من البناء الوطني. البناء الوطني يعني إنهاء الانقسام، وعودة غزة إلى حضن الشرعية، والبدء بإعادة صياغة النظام السياسي على قاعدة الشراكة، وانطلاقا من استراتيجية وطنية جديدة، وتجديد الشرعيات الوطنية.

لن يتأخر رد حركة فتح على الورقة المصرية بعد ان وافقت عليها رسميا وعلنيا حركة حماس، ومن المستبعد أن تكون لحركة فتح اعتراضات أساسية على الرؤية المصرية، ذلك أن هذه الرؤية لم تسقط من السماء، والأرجح أنه تم التداول بشأنها مع حركة فتح قبل ان تعرض على حركة حماس.

التطورات تجري على نار شديدة الحرارة ولذلك فإن الأيام القليلة القادمة، ستشهد انفراجات وطنية تعظم الخيار الفلسطيني، وتعزز قدرة الفلسطينيين على مواجهة المخاطر الاستراتيجية للسياسة الأمريكية الإسرائيلية. والأكيد أن الوطنية الفلسطينية على المحك في هذه الظروف التاريخية الصعبة، الأمر الذي يلقي على القيادات السياسية والفصائل الوطنية مسؤولية كبرى لا نشك بأنها لن تتوانى عن القيام بها لصيانة القضية والحقوق والشعب.

 

 خاص لموقع النجاح الإخباري