د. سائد الكوني - النجاح - أردت أمراً من صديق، فلم يتيسر لي رقم هاتفه النقال أو بريده الالكتروني، وتذكرت أنه من أصدقائي على الشبكة العنكبوتيه، ولكني بحثت عنه فلم أجده، وتوصلت نهايةً إلى رقم جواله، وبدأته ممازحاً أراك ألغيت حسابك الفيسبوكي، ليجيبني "لما أشعر به من إحباط مما أراه من نفاق ورياء أصاب القوم، مثقفهم قبل جاهلهم، حيث لم يعد بي مقدرة على تحمل المزيد". 

ربطت حديثه لي بتعليقٍ لصديقٍ آخر كتبه على مدونته الخاصة يقول فيه: "عندما صُنِع المسدس، قالوا: اليوم تساوى الشجاع والجبان، وعندما جاء مارك بالفيسبوك، قالوا: اليوم تساوى العالم والجاهل"، وفي نفس السياق يتندر آخر فيقول أصلح الله مبتكر الفيسبوك لإنه جعل للنكرات منابر إعلامية يعتلونها ويتحدثون من عليها في أمور العامة، وهم يحسبون أنفسهم علماء، أو مفكرون ومصلحون، أو سياسيون، والشواهد الكثيرة تؤكد على أننا نحيا الزمن الذي حدثنا عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: "سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".

ما يزعجني أكثر هو انتشار صفحات عنكبوتية هابطة خرجت عن ضوابط حرية الرأي والتعبير ونزلت بالكثيرين من متابعيها إلى الدرك الأسفل من الانحطاط الأخلاقي في ألفاظها وموضوعاتها وآليات تناولها، بما يُخرجها عن المألوف من أعرافنا وعاداتنا وقيمنا الدينية والمجتمعية، وما يزيد الطين بلة أن هذه المدونات أمست وأصحابها أكثر شهرةً من معلمينا ومربينا ومثقفينا وغيرهم من ذوي العلم والفضل والعمل الخيّر، وأجزم غير مبالغاً في هذا الاطار أن الفيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي تُستخدم بعناية كمعول هدم لتلك المُثل والقيم والأعراف التي تُشكل آخر قلاعٍ نتحصن بها في وجه رياح تغيرٍ عاتية من الواضح أنه ليس لنا بها حول ولا قوة، وللمرء أن يتسائل لِمَ هذه الوسائل مجانية؟ والجواب عندي في غاية البساطة فعندما لا تدفع ثمن البضاعة فلتعلم أنك أنت البضاعة، والأمثال الشعبيه كما يُقال لم تبقي شئ لم تتحدث عنه، وينطبق هنا القول الحق "ما في شي ببلاش غير العمى والطراش".

وإذا ما إستحضرنا إلى الأذهان إحصائيةً حديثةً تفيد بأن ما يزيد عن 75% من أبناء شعبنا يستقون معلوماتهم وأخبار ما يدور حولهم من الفيسبوك، فأقول سلامٌ على شعبنا ومن وراءه أمتنا المجيدة، وعلى روحيهما الطاهرتين بسرٍ قراءة سورة الفاتحة، نُتبعها بسورة الإخلاص فإنها تمنع النفاق.
وصدق الشاعرحينما قال: إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيَتْ ....... فإنْ همو ذهبتْ أخلاقهم ذهبوا