النجاح - يصدر للتوّ كتاب "الملسمون في روسيا- الموروث وتحديات المستقبل" للباحث والمفكر يوسف مرتضى، لدى "دار الفارابي"، ويتحلق حول المؤلف يوم الجمعة 8 كانون الاول، من الخامسة الى السابعة مساء، في إطار معرض بيروت الدولي للكتاب 61، جناح "دار الفارابي"، لتوقيع الكتاب، حشد من الأصدقاء والباحثين والمفكرين، فضلاً عن مكوّنات المجتمع المدني الذي يؤدي فيه مرتضى دوراً أساسياً فاعلاً. هنا المقدمة التي تلقي الضوء على إشكالية الموضوع وأهميته في العلاقات الروسية – العربية – الإسلامية، بالتوازي مع صعود الموجات التفكيرية الإسلاموية الإرهابية والظلامية. 

مع إطلالة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت مفاعيل تراكمات العقود السابقة من استبداد الأنظمة العربية لشعوبها تظهر على شكل احتجاجات صاخبة، إلى أن كان الانفجار الكبير الذي أشعل فتيله الشاب التونسي الشهيد محمد البوعزيزي، شهيد الحرية والكرامة ولقمة العيش. 

دوي الانفجار التونسي سرعان ما أصابت ارتداداته على التوالي مخزونات الغضب المحتقنة في مصر وليبيا واليمن وسوريا وميادينها... وتدحرجت على أثر ذلك كرة ما أطلق عليه "الربيع العربي".

في قلب المخاض، تنافست وتصادمت خيارات قيادة التغيير في العالم العربي الذي أصبح واقعاً ملموساً، وانحصرت الخيارات بشكل عام بين مشروعين: مشروع الدولة الدينية ومشروع الدولة المدنية.

ولأن مكونات المشروع الأول كانت حاضرة بأشكال مختلفة في كنف النظام السابق، وفي الوعي والثقافة المتراكمين لدى شرائح واسعة من المجتمع العربي والإسلامي، ولأن دعاة المشروع الثاني هم من مثّلوا الحالة العفوية وغير المنظمة في الانتفاضات العربية، التي غاب أو غيّب ممثلوه عن المسرح السياسي في العقود الغابرة بسبب تضييق الأنظمة عليهم وقمعها لهم، ولأن القوى الخارجية صاحبة المصلحة في إبقاء سطوتها على المنطقة العربية وعلى ثرواتها وأسواقها قد توجّست شراً من احتمال قيام دولة مدنية ديموقراطية حقة، فيها للشعب كلمة القطع والوصل، ما يعزز فكرة تحرير الحقوق من سطوتها وهي التي ادّعت زوراً حرصها على "الدمقرطة"، فتدخلوا لتعطيل بلورة قيادة ديموقراطية مدنية للتحول الجاري على أوسع نطاق، الأمر الذي أدى إلى اندفاع المشروع الديني بقواه الذاتية المتأصلة منذ عقود، وبدعم وتغطية قوى خارجية صاحبة مصلحة في إحكام القبضة على الربيع وجعله يتفتح بألوانه المذهبية المختلفة والمتصادمة في آن واحد، ما أدى إلى إشعال الحرائق في أكثر من ناحية من الوطن العربي، ودفع عملية التحول المدني الديموقراطي إلى فوضى مسلحة راحت تهدد الربيع باليبوسة والتصحر.

إذاً، عوامل داخلية وخارجية عدة تضافرت لتدفع عملية التحول الديموقراطي في غير اتجاهها الصحيح، وبعيداً من أهدافها في بناء دولة مدنية ديموقراطية تعددية. في المقابل برزت، بقوة، ظاهرة الدولة الدينية بمسميات مختلفة، كان أبرزها، "الدولة الإسلامية في العراق والشام"- "داعش".

مما لا شك فيه أن العمليات العسكرية التي اتخذت طابعاً إرهابياً، والتي نفذتها منظمات "إسلاموية" متطرفة كوسيلة لتحقيق مشروع الدولة الدينية، قد شوّهت صورة الربيع العربي من جهة، وشكلت غطاء لبقايا النظام العربي الاستبدادي من جهة أخرى.

إن شكوكاً كثيرة حامت حول أسباب ولادة المنظمات الإسلاموية المتطرفة ووظائفها الحقيقية في عملية التحول الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، وتالياً في العالم، ربطاً بتوسع عمليات تلك المنظمات في الميادين العربية والشرق أوسطية، سوريا والعراق ومصر واليمن وليبيا والسعودية وتركيا وصولاً إلى أوروبا وبلدان ما وراء البحار!

إن تطور العمليات الإرهابية وتوسعها، وظاهرة "داعش" و"النصرة" وغيرهما من فروع تنظيم القاعدة، قد أعادت إلى الأذهان كارثة الحادي عشر من أيلول عام 2001 والحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية لاجتياح أفغانستان ومن ثم العراق تحت راية محاربة الإرهاب، واستدعت تشكيل حلف دولي للتصدي له. هكذا تحولت الميادين العربية إلى قواعد للأحلاف العسكرية الغربية والشرقية، وإلى ساحات صراع بين قوى إقليمية ودولية منضوية في تلك الأحلاف. ونتيجة لذلك، تحول المواطن العربي، ويا للأسف، إلى ذخيرة وضحية في آن واحد، في حروب وكلاء القوى الدولية والإقليمية في ميادينه.

يبدو من سياق تطور الأحداث واختلاط المصالح فيها، أنه لا أفق واضحاً لتسويات سياسية تضع حداً لتلك الحروب والنزاعات، وبالتأكيد أنه لن يكون للوكلاء العرب دور في صنع تلك الحلول والتسويات عندما ينضج أوانها.

وإذا كانت الجغرافيا السورية والعراقية والليبية واليمنية وغيرها تمثّل ميادين للمجابهة بين الأحلاف والوكلاء، غير أن أحد أطراف المواجهة المتمثّل بالمنظمات الإسلامية المتطرفة، التي لا حدود جغرافية لها، قد تجعل هذه المجابهة تأخذ أشكالاً مختلفة أبعد من مجابهة المحاور والجبهات، وقد لا يبقى للطيران دور فيها، وبالتالي هي مواجهة قد يكون من المستحيل حسمها عسكرياً. وفي اعتقادي، إن إنهاء مثل هذه المجابهة يفترض، بالضرورة، إعادة النظر في البنى الثقافية في الشرق والغرب على السواء، كما يفترض الإقرار بالمصالح بين أفرقاء الصراع بغض النظر عن تباين حجم القوى والقدرات العسكرية والاقتصادية لكل منهم.

إن الصعود الحالي للحركة الإسلامية بتلاوينها المختلفة يعزى، حسب العديد من الدراسات، إلى البحث عن انعطاف تاريخي في بلدان العالم الثالث عموماً وفي البلدان العربية والإسلامية على الخصوص، والعمل على تبني توجهات ومثل جديدة، تَحدد نهجها ومكانها، في التغيرات النوعية التي نشأت بعد انهيار الكتلة الشرقية وزوال الاتحاد السوفياتي الذي كان إحدى القوتين العظميين في العالم.

ومع اختفاء أحد مكوّنَي استقرار النظام العالمي المتوازن، باتت كل أنظمة العلاقات الدولية بحاجة إلى تغيرات جذرية. من هذه الخلفية اندفعت بعض البلدان العربية والإسلامية إلى إعادة النظر في التصورات الأساسية المعهودة، وقررت التخلي عن الأفكار النمطية القديمة، ومباشرة البحث عن النموذج الخاص بها للمضي قدماً.

مما لا شك فيه أن التقصير في تحقيق التنمية المستقلة في معظم تلك البلدان بعد الحصول على الاستقلال السياسي وسيادة الدولة، والميل إلى بناء السلطة وأجهزة حمايتها على حساب بناء الدولة، قد أدّيا إلى تنامي الجناج المتطرف في المكوّن السياسي الداخلي، وتحديداً الإسلامي، في معظم البلدان العربية والإسلامية، وتوسعت صفوف المتشددين الإسلاميين والعرب بينهم بشكل ملحوظ في ثمانينات القرن الماضي في مدرسة الحرب الأفغانية ضد الجيش السوفياتي، وباتت هذه المجموعات الإسلامية بعد التجربة الأفغانية تتمتع بقدرة قتالية عالية، ولا سيما في العمليات الفدائية، فضلاً عن استعدادها للتفاني في خدمة قضية الإسلام وفق فهمها له.

وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد "العرب الأفغان" قد وصل إلى 20 ألف شخص في حقبة الثمانينات. وبعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عاد كثير منهم إلى بلدانهم الأصلية، حيث عانوا آثار الفقر السابق والظلم والبطالة، وشكّلوا بذلك عصب الحركات الإسلامية التي برزت كقوة قيادية فيها عندما تقطعت أوصال الأنظمة في لحظة انفجار "الربيع العربي".

لقد تمّ تجهيز المجموعات في أفغانستان كما هو معروف، للوقوف في وجه السوفيات، بتمويل من المخابرات المركزية الأميركية، حيث صُرِفت مبالغ ضخمة لتحقيق هذا الهدف راوح حجمها حسب بعض التقديرات ما بين 3.5 إلى 6 مليارات دولار أميركي. وتحول "العرب الأفغان" لاحقاً، من مناضلين من أجل حرية الشعب الأفغاني ضد الكفار «السوفيات»، إلى ألد وأشرس أعداء الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.

وبذلك ارتد كيد "الإسلاموية" التي ابتدعها الأميركيون ضد السوفيات إلى نحر معدّيه، فانطبق على الأميركيين المثل القائل "طابخ السمُّ آكله".

وهكذا انتشرت وتوسعت أنشطة تنظيم "القاعدة" من أفغانستان إلى العراق إلى بلاد المغرب الإسلامي، الجزائر وليبيا، إلى شبه الجزيرة العربية، وصولاً إلى سوريا والعراق حيث أُطلقت "الدولة الإسلامية" وراحت تصدّر العمليات الإرهابية في أربع زوايا الأرض.

 لقد ظهرت "الإسلاموية" في الشرق الأوسط وكأنها تمثل في لحظة معينة "طبعة جديدة" للقومية العربية في إطار الرد على فشل الوحدة العربية ومحاولات تجسيدها من قبل الأنظمة العلمانية والقومية، إضافة إلى أفكار الاشتراكية العربية.

سبق وأشار إلى ذلك بحق، وقبل انفجار الشارع العربي بسنوات، أحمد حسن بن علوي مؤسس معهد البحوث الحديثة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ووسط آسيا في جامعة برينستون في الولايات المتحدة الأميركية، حيث لفت في مقال له في جريدة "لوموند ديبلوماتيك" في فبراير 2007، إلى "أن الحركات القومية، واليسارية العلمانية القومية، ضلت الطريق أمام التيارات الإسلامية التي اصطدمت بمعارضة الهيمنة الغربية في المؤسسة الأيديولوجية للمحافظين".

وبينما كان المحرك الرئيس للأفكار القومية والوطنية في حقبتَي الخمسينات والستينات من القرن الماضي موجهاً للبحث عن طرق التحديث والتقدم، فإن الإسلاميين يتبنون برامج رجعية تدعو لجرّ المجتمع إلى الماضي من خلال الدعوة للعودة إلى أصول وقواعد وممارسات الإسلام الأول في القرون الوسطى، وراحوا يصفون مُثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والأخلاق وغيرها من القيم الإنسانية المثبتة بتجربة البشرية على مدى عصور من تعاقب الأجيال، بالأعمال الشيطانية، وبأنها من ابتداع الغرب، ويجب أن يتطهّر منها المؤمنون.

وقد عبر الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش عن جانب من هذه المسألة في مقابلة له مع صحيفة "لوموند" الفرنسية حيث قال: "يشعر العالم العربي بقوة شعوراً عميقاً بالظلم ويحمّل الغرب مسؤوليته... لقد فقد العرب والمسلمون الذين يصطدمون بالاستبداد الأميركي العالمي، واستبداد الطغاة المحليين التوجه الصحيح... يشعرون أنهم يُدفعون إلى خارج التاريخ، وتغيب لديهم أولوية القانون، لأن القانون الدولي لا ينطبق على منطقهم. لقد انتهكته إسرائيل بالفعل منذ زمن طويل ولا شيء يحدث". في ظل هذه الظروف وفقاً للشاعر درويش: "إذا أقيمت في العالم العربي الإسلامي، انتخابات حرة فإن الإسلاميين سينتصرون في كل مكان...".

من هنا القول إنه لا يمكن حصر الطفرة الإسلاموية المعاصرة في ما تمثّله بعض المجموعات الإسلامية المتطرفة فقط، التي تسيء بممارساتها إلى الإسلام وإلى قضايا العرب والمسلمين في صراعهم مع إسرائيل ومع القوى الغربية التي تدعمها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، إنما قد تجد مرتكزها الإيديولوجي في فكر ابن تيمية، وسيد قطب وغيرهما. ومن النتائج المروعة للطفرة الإسلاموية المعاصرة، هي إعادة إنعاش الإيديولوجيات العنصرية والفاشية في العديد من البلدان الغربية، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان مثال صموئيل هنتنغتون في كتابه "صراع الحضارات" الذي ضمّنه اعتقاده، بأن مصير الوضع في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة لن ينحصر في المواجهة السابقة للقوى العظمى، لا بل في تصادم الحضارات المختلفة ومساهمتها فيه أيضاً.

إن إعادة التذكير بكتاب هنتنغتون عن صراع الحضارات في سياق الحديث عن تعريف "الإرهاب" والطفرة الإسلاموية، هي لتسليط الضوء على الاعتقاد السائد من أن هذه المقاربة لأحد الفلاسفة الأميركيين القريب من دوائر الإنتاج الفكري والسياسي في صوغ الإستراتيجيات الأميركية، لم تكن مقاربة عفوية، بل هي استجابة للرؤية الأميركية لمستقبل العالم بعد الحرب الباردة، وبعد انفراط عقد المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي، التي ترى أن الفروق الاقتصادية والاجتماعية والطبقية ليست هي ما يتسبب بالانقسام في العالم وفي مختلف المجتمعات، بل إن ما يفاقم الانقسام الصراع بين المكونات العالمية والمجتمعية، هو صراع الهويات والثقافات.

فهل أراد هنتنغتون من ذلك وضع الأسس النظرية لتصادم الحضارات كما رسمها لتستجيب في سيرورتها لما تتوخاه الولايات المتحدة الأميركية في أن تصبح هي سيدة العالم بدون منازع بعد تفكيك الدول المتعددة الثقافات وتطويعها لإرادة القطب الأوحد (أميركا)؟

وهل حرب تحرير أفغانستان من الجيش السوفياتي، وانهيار الاتحاد السوفياتي بعد ذلك، وتفكيك الاتحاد اليوغوسلافي وحروب الشيشان كانت بداية الاستجابة لهذه العقيدة (Doctrine) الأميركية الجديدة؟

لقد جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، وردود الفعل عليها، بالحرب على أفغانستان والعراق، تسعيراً لفكرة تصادم الحضارات كما رأها هنتنغتون، حيث اعتبر الرئيس الأميركي بوش الابن أن حربه على أفغانستان هي حرب "صليبية". القول نفسه عاد وكرّره ويا للأسف البطريرك الروسي كيريل في مناسبة مباركته للطائرات الحربية الروسية المتجهة إلى ضرب المجموعات الإسلامية "المتطرفة" حسب تعبيره في سوريا، حيث قال "إن حربنا في سوريا هي حرب مقدسة".

لقد رأى هنتنغتون في كتابه "صراع الحضارات" أنّ هناك تواريخ عديدة للبشرية، لكل منها محركه الخاص به. فهناك التاريخ القديم وقد تحرك بقوة رغبات الملوك والأمراء وحسدهم، وتاريخ آخر تحرك بقوة صراع الأمم، وتاريخ ثالث كان محركه صراع الإيديولوجيات، وقد انتهى مع الحرب الباردة. أما التاريخ الذي تخطه البشرية اليوم فإنه يتحرك بقوة صدام الحضارات، كالصدام القائم اليوم بين الإسلام من جهة والحضارة الغربية المستندة إلى الديموقراطية الليبيرالية من جهة أخرى" (فؤاد النمري، "الحوار المتمدن" ، 30 حزيران 2007).

يلتقي هنتنغتون في رؤيته هذه لحركة التاريخ مع زميله فرنسيس فوكوياما صاحب كتاب "نهاية التاريخ"، حيث يقدم فوكوياما نزعة جديدة في فلسفة التاريخ، تعتبر أن الدين هو المرجعية الأساسية في نشوء الدولة، وإحدى ركائز تطورها. هذه هي الفلسفة التي يغلب عليها طابع القراءة السياسية البراغماتية التي تؤسس لتحقيق سيادة أميركا على العالم المعاصر سياسياً وثقافياً واقتصادياً.

وإذا ما استحضرنا خريطة الأحداث التي يشهدها عالم اليوم، لوجدنا أن الجبهات بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بدأت ترتسم وتتوسع على حدود الثقافات والحضارات بأبعادها العرقية والدينية في أكثر من بقعة في العالم، وهي آخذة بالتمدد بما في ذلك إلى داخل الولايات المتحدة الأميركية. لقد عبّرت بقوة عن هذا الميل لتطور الصراع، المفردات العنصرية التي صبغت خطابات المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب الذي أصبح رئيساً فعلياً للولايات المتحدة الأميركية. وكذلك خطابات مرشحة الجبهة الوطنية الفرنسية للرئاسة في فرنسا مارين لوبن اليمينية المتطرفة التي تأهلت للمرحلة الثانية في منافسة إيمانويل ماكرون. هذه النتيجة، وإن أظهرت عمق الثقافة الديموقراطية في المجتمع الفرنسي بشكل خاص والمجتمع الأوروبي بشكل عام، إلا أنها لم تطو صفحة الخطابات العنصرية التي ميّزت حملة لوبن، حيث بات حزبها القوة المعارضة الأولى لسلطة ماكرون في السنوات المقبلة.

إذاً، للطفرة "الإسلاموية" جذورها الثقافية، كما تجد أسباب نهضتها في سياسات الغرب وإسرائيل ضد قضايا العرب والمسلمين، وكذلك في العقيدة الجديدة للاستراتيجية الأميركية للسيطرة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة.

وعشية تفكك الدولة السوفياتية، كلنا يعلم أن روسيا شهدت أول دعوة انفصالية من مسلمي الشيشان في شمال القوقاز على يد الجنرال المتقاعد الراحل جوهر دودايف.

ترافقت الدعوة الانفصالية الشيشانية في شمال القوقاز مع عمليات عسكرية ضد القوات المسلحة الروسية المرابطة في الشيشان، وتفجيرات في عدد من المدن الروسية.

هذه الحرب الاستنزافية التي امتدت منذ العام 1991 إلى العام 1999 في ظل حكم ضعيف في موسكو بقيادة يلتسين، ولّدت عقدة الشعور بالضعف والعجز عند الشعب الروسي، والخوف من امتداد نيران الشيشان إلى الجمهوريات الإسلامية الأخرى التي كانت قد غزتها الحملات الدعائية الإسلامية، وإغداق الأموال على بناء المساجد في مختلف مدن تلك الجمهوريات في شمال القوقاز وفي حوض الفولغا. وفي حلول خريف العام 1999، وكان بوتين قد أصبح رئيساً للوزراء، أنضجت الحرب الشيشانية الثانية فكرة توحيد المجتمع الروسي حول عملية عسكرية لمكافحة الإرهاب في الشيشان.

وفي حين نظر معظم الشعب الروسي إلى الحرب الشيشانية الأولى على أنها حرب لا أخلاقية، غير أن الحال انقلبت في الحملة العسكرية الثانية في الشيشان التي قادها الرئيس بوتين، إذ اعتبروا أن عدم مساندتها هو الأمر اللاأخلاقي.

ففي استطلاع للرأي أجري في كانون الثاني من العام 1995، طالب 54% من المشتركين في الاستطلاع بسحب القوات الروسية من الشيشان (27% كانوا يدعمون وجود القوات هناك، و19% لم يكن لهم رأي). في المقابل في تشرين الثاني وكانون الأول من العام 1999، وافق ما بين 61 إلى 70% من المشتركين باستطلاع الرأي على العملية العسكرية في الشيشان. وحتى عندما أصبحت الإصابات الفادحة معلومة لدى الجميع في تموز عام 2000- آلاف من القتلى والجرحى في صفوف القوات الروسية والمدنيين- كان 70% من الشعب الروسي يعتقدون بأنه لا ينبغي أن تكون هناك مفاوضات في الشيشان، وبأن النظام يجب أن يُفرض فرضاً على الجمهورية بمساعدة الجيش. وهكذا رجع المجتمع الروسي للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أقلّه منذ مجيء غورباتشيوف إلى السلطة، إلى الفكرة المخلّصة، فكرة الوطنية العسكرية، التي أصبحت ملاذاً لكل من يشعر بالخوف والضعف في روسيا.

من خلفية الدرس الشيشاني اندفع الرئيس بوتين وقد أصبح رئيساً لروسيا الاتحادية في العام 2000، لتقديم كل التسهيلات للحملة الأميركية العسكرية، ضد حكم "طالبان" في أفغانستان تحت شعار محاربة "الإرهاب" إثر أحداث 11/9/2001، غير أن شيئاً من الحذر والقلق انتاب القيادة الروسية بزعامة بوتين من قرار الإدارة الأميركية بإعلان الحرب على العراق بحجة احتيازه أسلحة الدمار الشامل، التي ثبت لاحقاً عدم وجودها. وتعاظم الحذر الروسي من تمادي الإدارة الأميركية وتغطية دول حلف الأطلسي لها في محاولة فرض هيمنتها على العالم بالقوة العسكرية وهذا ما حصل في ليبيا. لقد رأت القيادة الروسية أن ما جرى في ليبيا تريده أميركا أن يصبح درساً ونموذجاً وسابقة ضد كل نظام لا ينصاع لإرادتها.

وعندما حاولت الإدارة الأميركية إمرار قرار في مجلس الأمن الدولي في أواخر العام 2011 حول #سوريا، شبيه بالقرار الذي غطى العدوان الأطلسي على ليبيا، تصدت له القيادة الروسية باستخدام حق النقض الفيتو لمرات ثلاث على التوالي ووصلت إلى 7 مرات حتى شهر نيسان عام 2017 كي لا يتكرر المشهد الليبي في سوريا، ويصبح سابقة قد تصيب روسيا نفسها في مرحلة لاحقة.

رسم الرئيس بوتين المرتكزات الأساسية لسياسة روسيا الخارجية في 12 تموز عام 2004، أي في بداية ولايته الثانية، وبعد الاجتياح الأميركي للعراق، حيث التقى بوتين السفراء الروس الذين تم استدعاؤهم إلى موسكو من كل أنحاء العالم. قدم بوتين في هذا الاجتماح العناصر الخمسة التي تؤلف استراتيجيا السياسة الخارجية الروسية، التي كان قد صاغها خلال ولايته الأولى. وجاءت على الشكل الآتي:

أولاً: يجب على السياسة الخارجية أن تصبح وسيلة لتحديث البلد.

ثانياً: إن العلاقات مع الدول المستقلة حديثاً والواقعة على أراضي الاتحاد السوفياتي السابق تمثل أولوية بالنسبة إلى السياسة الخارجية الروسية.

ثالثاً: تبقى علاقات روسيا مع أوروبا "أولوية تقليدية".

رابعاً: نوّه بوتين بالحاجة إلى الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية.

خامساً: البدء بالتعاون مع الدول الواقعة على الساحل الآسيوي من المحيط الهادئ من أجل تطوير سيبيريا.

وردّ الرئيس بوتين على المناصرين لفكرة القوة العظمى بتأكيده أنه "ليس هناك بدائل للتعاون مع الاتحاد الأوروبي والناتو".

وبذلك أصبحت السياسة الخارجية في عهد بوتين أكثر تحديداً. لقد تخلى الكرملين عن المعضلتين اللتين كانتا تحيّرانه: الغرب أم الشرق؟ حلف الأطلسي أم الاتحاد الأوروبي؟

فكان الخيار، اعتماد سياسة "متعددة الاتجاهات"، من دون التخلي عن أي من عناصر السيادة، والسعي الدائم لتطوير قدرات روسيا لتكون شريكاً فاعلاً في إدارة العالم من ضمن سياسة سماتها الأساسية الواقعية الجديدة، و"خفض التكاليف". غير أن ما جرى في أوكرانيا في العام 2014، وتنامي قدرات التنظيمات الإرهابية في الميدان السوري الذي يقع على الحدود الجنوبية لروسيا الاتحادية، ومشاركة آلاف الشيشانيين في الحرب الأهلية السورية، جعل روسيا تبدل في أولوياتها في السياسة الخارجية، فقوات حلف الأطلسي أصبحت منتشرة على تخوم الحدود الروسية، وتطورات الميدان السوري تمثل تهديداً جيواستراتيجياً للاتحاد الروسي، مع احتمال توسع إرهاب "الإسلام المتطرف" إلى الداخل الروسي، حيث أن الديانة الثانية في روسيا هي الديانة الإسلامية.

هذا فضلاً عن احتمال استبدال صادرات روسيا من الغاز إلى أوروبا الذي تمثل قيمته نسبة عالية من الدخل القومي الروسي، بالغاز القطري أو الخليجي بما في ذلك الإيراني، من طريق أنابيب تمتد من الخليج عبر سوريا إلى تركيا أو لبنان، ومنها إلى السوق الأوروبية في حال فقد الروس نفوذهم في سوريا.

من هنا كانت الاندفاعة الروسية للانخراط في الحرب في سوريا إلى جانب النظام وفي مواجهة قوى المعارضة السورية التي وصفتها قيادة الكرملين بأن معظمها ينضوي تحت قيادة منظمات إسلامية متطرفة، "داعش"، و"النصرة" وغيرهما.

السؤال الكبير الذي يُطرح في ضوء ذلك، هل سوريا ستكون بمثابة غروزني أم بمثابة أفعانستان بالنسبة إلى روسيا؟ وما هو حجم التداعيات على علاقات روسيا في المستقبل مع العالم الإسلامي السنّي؟ وما هو حجم التداعيات على الواقع الإسلامي في داخل روسيا وعلى وحدة الاتحاد الروسي نتيجة المواجهة المباشرة التي تقوم بها القوات الروسية في الميدان السوري، وما يكلّفها ذلك من خسائر اقتصادية ومادية وخصوصاً إذا ما طال أمد الحرب في ظل الحصار الاقتصادي المضروب من الغرب على روسيا بسبب الوضع في أوكرانيا؟

وهل ثمة مخاوف على مستقبل العلاقات داخل الشعب الروسي الواحد بين المسلمين وغير المسلمين؟ خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ العلاقات التي كانت تتصف دائماً بالتوتر والمجابهة بين الأنظمة الروسية في الحقب المختلفة والمسلمين الروس. وهذا ما سيجري التطرق إليه في بعض فصول هذا الكتاب بهدف التذكير بطبيعة تلك العلاقات تاريخياً. فهل تأخذها القيادة الروسية بالحسبان في زمن تفجّر صراع الهويات؟

وفي خضم ظاهرة "الإسلامافوبيا" التي تجتاح العالم منذ أحداث 11/9/2001 والتي تعاظمت في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كان لا بد من تسليط الضوء في هذا الكتاب على واقع المسلمين في روسيا الذين يمثّلون الجالية الكبرى في أوروبا خصوصاً والغرب عموماً، وحيث أن القيادة الروسية تتصدر مواجهة هذا الخطر "الإسلاموي" الداهم، وما قد يتركه من أثر في البنية الروسية الداخلية، خصوصاً، لما لروسيا من أهمية في صوغ السياسة والتوازن الدوليين، لذلك كان هذا الكتاب.

(النهار اللبنانية)