نابلس - النجاح الإخباري - انتخابات الكنيست الإسرائيلي ليست مجرد استحقاق سياسي تتنافس فيه الأحزاب على المقاعد وتشكيل حكومة الاحتلال، بل محطة تفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الداخل الإسرائيلي، وتمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني، وأموال المقاصة، ومستقبل السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وفي هذا الإطار حذّر الخبير المالي والاقتصادي والأكاديمي د. شاكر خليل من التداعيات المتفاقمة لاستمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية وتأخير تحويلها، مؤكدًا أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه تراجعًا غير مسبوق، في ظل تداخل أزمات المقاصة، وتوقف عمال فلسطينيين عن العمل داخل إسرائيل، وأزمة فائض السيولة النقدية، والتهديدات المرتبطة بالعلاقات المصرفية، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والاعتداءات المتواصلة.
وقال خليل، في حديث لإذاعة صوت النجاح، إن أهمية الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة للفلسطينيين لا تكمن في هوية الشخص الذي سيتولى رئاسة الحكومة بقدر ما ترتبط بالسياسات التي ستنتهجها الحكومة المقبلة تجاه القضايا الاقتصادية والسياسية التي تمس حياة الفلسطينيين بصورة مباشرة.
وأوضح أن الاقتصاد الفلسطيني، بحكم وقوعه تحت الاحتلال، يتأثر بالسياسات والإجراءات الإسرائيلية، التي قال إنها تتجاهل القوانين والأعراف الدولية، مشيرًا إلى أن تداعيات هذه السياسات تفاقمت منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وانعكست على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
المقاصة والعمال.. أزمات تضغط على الاقتصاد الفلسطيني
وبيّن خليل أن غياب العمال الفلسطينيين عن سوق العمل داخل إسرائيل يشكّل أحد أبرز العوامل الضاغطة على الاقتصاد، موضحًا أن أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون هناك، ويسهمون في ضخ أكثر من ملياري شيقل شهريًا في الاقتصاد الفلسطيني.
وأضاف أن عدم عودة هؤلاء العمال إلى أعمالهم بصورة واسعة، في ظل الظروف الراهنة، أدى إلى فقدان الاقتصاد الفلسطيني جزءًا كبيرًا من التدفقات المالية التي كانت تصل إليه، وانعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطنين.
وفيما يتعلق بأموال المقاصة، أشار خليل إلى أنها تشكّل ما بين 68% و70% من إيرادات السلطة الفلسطينية، لافتًا إلى أن استمرار احتجازها وتأخير تحويلها يفاقم الأزمة المالية للحكومة، ويحدّ من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، بما يشمل رواتب الموظفين ومستحقات القطاع الخاص والمستشفيات وغيرها من الجهات الدائنة.
وأوضح أن الموظفين العموميين يواجهون تداعيات هذه الأزمة منذ أشهر طويلة، في ظل عدم انتظام صرف الرواتب وتراكم المستحقات، الأمر الذي ينعكس على الأوضاع المعيشية للأسر الفلسطينية، ويؤثر في حركة الأسواق والإنفاق المحلي.
فائض السيولة والقطاع المصرفي.. تحديات إضافية
ولفت خليل إلى أن الأزمة لا تقتصر على المقاصة والعمال، بل تمتد إلى مشكلة فائض السيولة النقدية، موضحًا أن وجود مبالغ كبيرة من النقد خارج الدورة المصرفية يعيق حركة الأموال داخل الاقتصاد، ويحدّ من قدرة التجار على إيداع النقد في البنوك والاستفادة منه في معاملاتهم الاقتصادية.
وأشار كذلك إلى التحديات المرتبطة بالعلاقات المصرفية بين البنوك الفلسطينية والبنوك المراسلة الإسرائيلية، موضحًا أن التهديدات المتكررة بقطع هذه العلاقات تخلق حالة من عدم اليقين، وتثير مخاوف بشأن قدرة القطاع المصرفي على مواصلة عمله بصورة مستقرة.
وأضاف أن هذه التحديات، إلى جانب القيود على المعابر والحواجز والاعتداءات اليومية، تتضافر لتقييد النشاط الاقتصادي الفلسطيني، وتزيد الضغوط على التجار والمواطنين ومختلف القطاعات.
الحكومة الإسرائيلية المقبلة.. بين استمرار التشدد وتخفيف محدود
وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة بعد الانتخابات الإسرائيلية، أوضح خليل أن مستقبل السياسة المالية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين يرتبط إلى حد كبير بطبيعة الحكومة التي ستتشكل والسياسات التي ستتبناها.
وقال إن استمرار حكومة يمينية متطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي، قد يعني استمرار تشديد الخناق على الاقتصاد الفلسطيني، مشيرًا إلى أن أموال المقاصة لم تُحوّل، وفق حديثه، على مدى أكثر من 16 إلى 17 شهرًا.
وأكد خليل أن أموال المقاصة هي أموال فلسطينية تُجبى بموجب الترتيبات والاتفاقيات القائمة، لافتًا إلى أن إسرائيل تحصل، حتى في الظروف الطبيعية، على عمولة تبلغ 3% مقابل جبايتها، فيما يؤدي استمرار احتجازها إلى تعميق الأزمة المالية الفلسطينية.
وأضاف أن السيناريو الأكثر تشددًا قد يفضي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية، في حين أن تشكيل حكومة إسرائيلية أقل تشددًا قد يتيح احتمال تخفيف محدود لبعض الإجراءات، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تغيير جوهري في واقع الاقتصاد الفلسطيني.
وشدد على أن غياب الأفق السياسي، وعدم وجود مسار واضح نحو حل الدولتين وتطبيق الاتفاقيات والقرارات الدولية، يحدّان من فرص إحداث تغيير ملموس في الظروف الاقتصادية والسياسية التي يعيشها الفلسطينيون.
تراجع اقتصادي غير مسبوق.. وأعباء مالية بمليارات الدولارات
وفي تقييمه لحجم الأزمة، قال خليل إن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التراجع، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الفلسطيني سجّل تراجعًا يقارب 25%، وفق الأرقام الأولية التي استند إليها في حديثه.
وأوضح أن الأزمة لا ترتبط بعامل واحد، بل تنتج عن مجموعة من الضغوط المتراكمة، تشمل احتجاز أموال المقاصة، وغياب العمال عن سوق العمل داخل إسرائيل، وأزمة السيولة النقدية، والقيود على المعابر والحركة، والإجراءات التي تعيق النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن انعكاسات هذه الأزمة تطال مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، من الموظفين والتجار إلى أصحاب الأعمال والمواطنين، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء المعيشية، مؤكدًا أن استمرار الوضع الراهن يجعل التكيف مع تداعياته أكثر صعوبة بمرور الوقت.
وأشار خليل إلى أن حجم الالتزامات المالية المتراكمة يعكس عمق الأزمة، موضحًا أن متأخرات رواتب الموظفين الفلسطينيين تُقدّر بنحو 3.8 إلى 4 مليارات دولار، فيما تبلغ مستحقات صندوق التقاعد على السلطة الفلسطينية نحو 5 مليارات دولار، وتصل مستحقات القطاع الخاص والمستشفيات والجهات الأخرى إلى نحو 2.5 مليار دولار.
وأكد أن استمرار تراكم هذه الالتزامات قد ينعكس سلبًا على قطاعات واسعة من الاقتصاد الفلسطيني، ويزيد من صعوبة الوفاء بالاحتياجات المالية والخدماتية، في وقت تتفاقم فيه الضغوط على المواطنين ومؤسسات السلطة الفلسطينية.
الصمود الاقتصادي أولوية في مواجهة الأزمة
وفي ختام حديثه، شدد خليل على أن استمرار الأزمة المالية والاقتصادية يفرض ضرورة توجيه السياسات والإجراءات نحو دعم صمود المواطن الفلسطيني وتعزيز قدرته على البقاء في أرضه، في ظل ظروف وصفها بالاستثنائية.
وأكد أن إطالة أمد الأزمة تقلل من قدرة المواطنين والمؤسسات على التكيف مع تداعياتها، ما يستدعي التعامل مع التحديات الاقتصادية باعتبارها أزمة متكاملة تتجاوز حدود الموازنة العامة لتطال الرواتب والقطاع الخاص والقطاع المصرفي والأسواق والحياة اليومية للفلسطينيين.