هبة أبو غضيب - النجاح - بدا التصعيد العسكري في سوريا تطبيقا عمليا لمواقف سياسية برزت في الأشهر الماضية، كان ردها سابقا "لدينا حق الرد بالزمان والمكان المناسب، ولكنها كسرت المعادلة هذه المرة ورسمت لإسرائيل خطوطا حمراء لأي خرق في أجوائها.

وسيطرت حالة من الترقب والقلق على المستويين السياسي والعسكري في لبنان، بعد التطورات العسكرية المفاجئة على الجبهة السورية - الإسرائيلية منذ صباح أمس الباكر، خصوصاً أن أصداء القصف الإسرائيلي لمواقع في الأراضي السورية محاذية للحدود سمِعت في مناطق عديدة في البقاع اللبناني، فضلاً عن سقوط بقايا صاروخين في منطقتي رياق - البقاع، وكوكبا - حاصبيا.

واعتبر خبراء عسكريون وسياسيون، أن إسرائيل لن تتجه إلى المزيد من التصعيد العسكري على الأراضي السورية، وتوقعوا في الوقت نفسه أن تستثمر روسيا التطورات الأخيرة بين إسرائيل وسوريا لمصلحة أجندتها على الأراضي السورية، وأن تعتمد لهذا الغرض دبلوماسية التهدئة.

فيما تناول الإعلام العبري ردود الأفعال والتحليلات الإسرائيلية التي جاءت تباعاً بعد نجاح الجيش السوري اعتراض طائرة حربية إسرائيلية وإسقاطها بصاروخ موجه، أثناء محاولتها استهداف مواقع سورية.

وأجمعت آراء المجتمع الإسرائيلي على اتهام إيران بالمسؤولية الكاملة لما آلت إليه الأمور، الأمر الذي من شأنه أن يخلق وضعا جديدا على الحدود الشمالية، وبالتالي فمن السهل أن تتصاعد حدة التوتر بما ينذر بانزلاق المنطقة إلى الحرب كما توقع محللون وخبراء في مقابلاتهم مع "النجاح الإخباري".

الخبير الإستراتيجي في عمان د. عامر سبايلة أوضح أن الوضع بسوريا بدأ يدخل بمنعطف خطير بالنسبة لموسكو بعد أن هيأت كل ظروف الحل.

وأكد سبايلة لـ"النجاح الإخباري" أن هذا التصعيد لا يصب بمصلحة موسكو نظريا، ولكنه قد يكون العكس إذا استطاعت أن تجلب جميع الأطراف للطاولة بحكم أنها القاسم المشترك الأكبر للعلاقات بين سوريا وإيران وإسرائيل.

وأضاف أن  رفع كلفة الاعتداءات من الطرفين يضع موسكو بنقطة الوسط، وقد تكون قادرة على الضغط على كافة الأطراف باعتبارهم المتضررين بهذه المواجهات.

وفيما يتعلق باستهداف قطاع غزة باعتبارها الحلقة الأضعف دائما بعد كل مواجهة رأى سبايلة، أن ضرب غزة غير مرتبط بالأزمة السورية، مشيرا إلى أنها غير معنية بفتح جبهات أخرى تؤثر على أمنها الداخلي، مؤكدا أنها الآن معنية بجبهة الجولان وسوريا، قائلا "فتح جبهة لإسرائيل بغزة قد لا يكون عامل تخفيف".

وأوضح، أن ما حدث يؤكد أن الولايات المتحدة تعود بقوة لسوريا وتقول إنها مستعدة لاستخدام السلاح، باعتبار إسرائيل حليفتها بالدرجة الاولى.

ولفت إلى أن اسرائيل على مواجهة غير نمطية لم تعتدها سابقا، خاصة وأن كل خصومها انشغلوا بالحرب السورية سابقا وكانت تختار متى تستهدف؟، ولكن ما حدث يضعها عند حدود معينة فلا تستطيع ان تضرب بحرية في الداخل السوري، وستدفع ثمن ذلك.

وأضاف أن هناك معركة بانتظارها اذا ما انتهجت هذا النهج باتجاه سوريا او ايران.

واختتم سبايلة حديثه مع "النجاح الإخباري" مؤكدا أننا نتجه باتجاه التأزيم فكل طرف يضع أفق لمستوى المواجهة، لافتا إلى ان حزب الله غير معنية بالحرب، وإسرائيل كانت مستفيدة من الحرب السورية وتضرب متى تشاء فالحرب الإستخباراتية الأقل خسارة بالنسبة لإسرائيل ولن تكون لها تبعات كالحرب المفتوحة.

واصف عريقات: المعادلة تغيرت

الخبير والمحلل العسكري اللواء واصف عريقات أكد أن احتمالية التصعيد واردة، مبررا ذلك بأننا أمام قيادة يمينية متطرفة حمقاء وارتكبت حماقات في السابق وقد تستمر بذلك.

ورأى عريقات، خلال حديث له مع "النجاح الإخباري" أنه سيكون هناك تأن وإعادة دراسة لقرارات القيادة الإسرائيلية، نظرا إلى أن ما حدث كان صادما بالنسبة له، وتابع أن إسرائيل اعتادت على الاعتداء والإجابة من الطرف الآخر كانت "لدينا حق الرد بالزمان والمكان المناسب"، دون رد على أرض الواقع.

وأضاف، أن قرار إسرائيل بعد الرد مباشرة كان على أعلى المستويات أمس، كونه وضع إسرائيل بدائرة ناقوس الخطر، مشيرا إلى أن هناك متغيرات جديدة.

ورأى عريقات، أن الأمر أصبح غير مقتصر على إسقاط الطائرة فقط، بل ما رافقه من تصريحات لغرفة عمليات تحالف سوريا وما صدر من بيانات وقرارات، يؤكد أن أي اعتداء على سوريا هو اعتداء على الجبهة المتحالفة بشكل كامل والرد سيكون قاسيا فالمرحلة الجديدة  هي أن إسرائيل لن تستطيع أن تسرح وتمرح في الأجواء كالسابق.

وأكد أن تقديرات اسرائيل الإستراتيجية والإستخباراتية تحدثت عن التهديدات، وتوقعت أن تكون الحرب على جبهة ممتدة من طهران حتى لبنان، فلم تتحدث عن حرب لبنانية ثالثة بل مواجهة لمسرح عمليات ممتد وطويل.

وحول الإعتداء على غزة أوضح عريقات أن إسرائيل إذا أرادت أن تصعد في عملها العسكري فستصدر أزماتها الداخلية إلى غزة من خلال عدوان عسكري، باعتبارها الأقل ضررا على إسرائيل.

وفي ظل ما يحدث وتعدد الأطراف في احتمالية التصعيد فمن يمسك زمام الأمور، وحول هذا لفت عريقا إلى أن بشار الأسد يعد جزءا من محور فالأمور لا تقع بيده وحده كما فسر البعض.

وأضاف الأسد لا يمكن أن يكون منفردا بقراره بظل غرفة العمليات المشتركة والمكونة من الوجود الروسي وحزب الله وإيران، قائلا "بالنهاية القرار سيكون للأقوى".

لعبة الرسائل المتبادلة غير المباشرة

واختتم عريقات، حديثه لافتا إلى أن اسقاط الطائرة كانت رسالة غير مباشرة من روسيا للولايات المتحدة، كما سبق وأسقط السلاح الأمريكي طائرة روسيا، استطاعت الأخيرة الرد بإسقاط طائرة حليفة أمريكا أسرائيل.

وأضاف أننا اليوم أمام لعبة رسائل متبادلة وغير مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة تًلعب على رقعة محدودة من الأراضي السورية.

تقدير الموقف الإسرائيلي القادم

بدوره أكد المحلل السياسي المختص في الشؤون الاسرائيلية د هشام ابو هاشم أن إسرائيل حاولت استفزاز الجبهة الشمالية، تقديرا منها أن الرد لن يكون مباشر كالغارات السابقة، ولكن ما حدث شكل صدمة بالامن الداخلي الإسرائيلي.

وأضاف لـ"النجاح الإخباري" أن الرد السوري رسالة تحذيرية لما هو قادم، وما تقوم به إسرائيل من إقامة الجدار العازل على الحدود بشكل خطرا على إسرائيل.

وفيما يتعلق باحتمالية التصعيد أوضح أبو هاشم، أن إسرائيل غير مهيأة حاليا لحرب، خاصة في الوقت الذي يخضع به نتنياهو لملفات فساد، مستدركا أنها قد تقوم بعدوان على غزة باعتبارها الحلقة الأضعف.

وأضاف أنه حتى وإن صعدت إسرائيل على قطاع غزة، قد لا تؤدي لحرب نظرا لقصفها نفق للجهاد واستشهاد قرابة 12 مواطنا، وقصف المقاومة مؤخرا دون رد، نظرا إلى ان حماس أيضا غير معنية بحرب.

وفيما يتعلق بالإجراءات الإسرائيلية القادمة أوضح ابو هاشم أنه متوقع من إسرائيل تقديم إدانة، والهدف الأساسي لها يتمحور حول محاولة إبعاد إيران  عن حدودها الشمالية.

وأضاف أن الجبهة الداخلية لإسرائيل مفككة وغير محمية، حيث بدأت حالة الرعب، مؤكدا أن اسرائيل لن تستطيع الدخول بحرب مفتوحة على 3 جبهات، خاصة وأن كافة الأطراف أعلنت الإستنفار في حال إقدام إسرائيل على أي عدوان.

وحول تقدير موقف إسرائيل المحلل السياسي أن خطاب اسرائيل اختلف منذ أمس حتى اللحظة، مشيرا إلى انه كان قويا على أعلى المستويات الوزارية والأمنية ولكن بدأت حدتها تقل شيئا فشيئا، ولم ينتج اجتماع نتنياهو وليبرمان عن شيء أمس، محاولة منها امتصاص الضربة.

وأضاف أن هذا عدا عن تأثر الإقتصاد الإسرائيلي بشكل مباشر بعد ايقاف مطار بن غوريون أمس، وتحويل الرحلات بحرا.

أما عن روسيا ومحاولتها استغلال التصعيد ضد إسرائيل في المنطقة، أوضح انها دولة منافسة لأمريكا بالدرجة الاولى ولها مصالح في الشرق الأوسط قبل انهيار الإتحاد السوفييتي، فهي تحاول جاهدة توظيف ايران وحزب الله وسوريا والدول العربية لبسط نفوذها لتأخذ حصة من الشرق الأوسط.

وأكد مدير مركز الإعلام في جامعة النجاح، المهندس غازي مرتجى، أن بيان حزب الله كان واضحًا، وأن ما حدث ليس ردا بل ردعا، وأوضح أن موقف الحزب يؤسس لمرحلة جديدة من التبادلية التي كنا نسير عليها منذ خمس سنوات، وأشار إلى أن الوضع أصبح مختلفًا في ظل آلية الردع الجديدة التي انتهجتها سوريا بالتصدي لطائرات الإحتلال التي انتهكت حرمة سيادتها.

وبين لـ"النجاح" أن بيان حماس نوع من القاء الكرة في ملعب ايران، ورسالة تكشف لهم "اننا موجودين وسنكون معكم في حال حدث تصعيد"، منوهًا إلى أنه حال اشتعلت الاوضاع في الشمال خلال 24 ساعة ستشتعل في لبنان وغزة، وتوقع أن يكون تصعيدا شرسا ضد الاحتلال غير مسبوق عدا عن التصعيد اليومي في الضفة الغربية، حيث تقاتل اسرائيل حينها على جبهات متعددة.

ونوه إلى أن بعض الدول العربية تتناطح داخل سوريا وأوضح أن الانقسام الذي حدث نتائجه تظهر في سوريا، وأشار إلى أن قرار التصدي للطائرة لم يكن قرارا عشوائيا ولم يتخذ بالميدان بل اتخذ منذ فترة، وأن أي خرق يتم الرد عليه مباشرة، موضحًا أن روسيا تريد تقاسم السيطرة مع الولايات المتحدة وتضغط من خلال ايران وحزب الله لتحقيق مكاسب لها.

يذكر أن سلطات الاحتلال أعلنت أن طائرة عسكرية من نوع (f16) أُسقطت، بعد قصف أهداف داخل الأراضي السورية، وقد جاء ذلك نتيجة إصابتها بنيران وصواريخ أطلقت من سوريا، رجح البعض أن النظام الذي أُستخدم لإسقاطها هو نظام صواريخ بوك.