عزيزة ظاهر - النجاح - في يوم الأم تفرح قلوب الأمهات وربما الآباء  بهدايا و معايدات الأبناء والبنات، وهم يحتفلون وسط أجواء يشعلها الحب والامتنان ، وفي يوم الأم أيضًا  قلوب حزينة وعيون باكية، لمسنين ومسنات حرموا من نعمة الإنجاب وخطف الموت شركاؤهم بالحياة، ليتجرعوا مرارة الوحدة وسط الإزدحام، ومع تقدم سنين العمر تحولت حياتهم إلى كابوس، فلا ابن يداوي جروحهم ولا ابنة تروي ظمأهم، فضاقت بهم السبل وصغرت الدنيا في عيونهم، فلم يجدوا سوى بيت المسنين مأوىً لهم ومعينًا على عثرات العمر الذي تبقى.

خلف جدران بيت المسنين التابع لجمعية الهلال الأحمر في نابلس قصص موجعة وحكايات مؤلمة، الحاجّة "هنية" سبعينية وجهها يشع ببركة التهليل والتسبيح كانت تجلس في إحدى زوايا الصالة تمسح دموعها تارة وتلملم أنفاسها وتسبح تارة أخرى شعرت أنّ عينيها تناديني وحال لسانها يقول لو رزقني الله بولد أو بنت لكانت بعمرك وما كنت في بيت المسنين، حدسي كان صادقًا هذه المرة بقراءة العيون، اقتسمت معها قطعة حلوى، "الله يحنن ولادك عليكي والله يابنتي الأولاد نعمة من الله، تزوجتُ رجلًا يكبرني بـ( 20) سنة بعد أن توفيت زوجته ولم يرزقني الله بالعيال، وبعد أن توفي وجدت نفسي وحيدة وخاصة أن إخوتي ماتوا وأختي الوحيدة مريضة وتعيش مع أولادها، وجودي في البيت وحيدة كان يشكل خطر علي خاصة بعد تكرار حالة النسيان معي لدرجة نسياني الغاز مشتعلًا أكثر من مرة، تتنهد وتلتقط أنفاسها " المكان الوحيد والملجأ الآمن  لي كان بيت المسنين، "على الأقل هون بلاقي حدا احكي معه" تصمت وتسأل "فكرك لو رزقني الله بالأبناء كنت هون؟"، وتجيب نفسها سريعًا " والله يمكن ما يتحملوني يا بنيتي فهنا أمهات وآباء تركوهم أبناؤهم ولم يصبروا على عجزهم"، وكأنها بتفكيرها هذا  تريد أن تداوي جرحها وتواسي نفسها.

أما الثمانيني عبد اللطيف فكان يجلس على كرسي في شرفة البيت يستمتع بدفء أشعة الشمس علّها تعوضه عن دفء الأسرة والأحبة، يطفئ سيجارة ويشعل أخرى، ويطلب الماء كثيرًا،أخبرته أنّ كثرة الدخان تشعره بالجفاف رد بعصبية "كلهم سيجارتين باليوم ياعمي"، أضحكني العم عبد اللطيف رغم أن مأساوية القصص هنا لا تحتمل حتى ابتسامة عندما اقتربت منه لامسك يده وأساعده على النهوض فابعد يده وقال " ما تصيبيني ما بقدر أارجع أعيد الوضوء"، ومد يده على علبة السجائر وأشعل أخرى مسترسلا " ماتت المرة قبل (19) سنة وما أجانا ولاد وجه الله أحسن وجابوني هون والحمد لله على وعد الله وما ضل من العمر شي".

"ماجدة الششتري" نائبة مديرة بيت المسنين بينت أنّ البيت يأوي (17) مسن ومسنة يقدم لهم الخدمات اللازمة من مأكل ومشرب وملبس وعلاج وفحص طبي بإشراف ممرضين وممرضات وأنشطة ترفيهية تهدف إلى دمجهم في المجتمع.