سائد نجم - النجاح - بيت لحم -خاص: ستة أيام فقط، فصلت الأسير المحرر عياد جمال الهريمي (24 عاماً) من بيت لحم، بعد أن أنهى فترة محكوميته الأولى بثلاثة أعوام ونصف العام، عن بدء معركته مع الحكم الإداري وما زخرته من أحداث خاض خلالها أربعة وخمسين يوماً إضراباً عن الطعام.

لم يُنه الهريمي بعد قضاء محكوميته الأولى -والتي كانت تهمته حينها إطلاق نار على مستوطنة "غيلو"- استقبال المهنئين بخروجه ولا بإشباع عينيه من رؤية اُمه، ليفاجأ وبعد ستة أيامٍ فقط بعودة الاحتلال، ولكن هذه المرة بوتيرة أعلى، حيث داهموا المنزل وحطموا الأبواب وقاموا بالضرب والتنكيل بأفراد الأسرة.

يروي الهريمي لـِ (النجاح الإخباري): "جذبوني خارج المنزل وانهالوا بأعقاب بنادقهم على وجهي حتى أدموه وكسّروا جسدي"، مشهد في غاية القسوة لا يقل عن دفع الجنود لوالدته وهي تحاول جاهدةً مساعدته، بقي عالقاً في ذهنه إلى أن خاض إضراباً عن الطعام فيما بعد.

في مركز "عصيون" جنوبي بيت لحم بفترة توقيفه هناك، يستذكر الهريمي كيف تبادل هو واثنين من أبناء عمومته الذين اُعتقلا معه، نظرات كستها الدموع والحزن، معلقاً "كانا مُكتَرِثَين لما حل بي أكثر من نفسيهما"، وعلى الرغم من فجعه لما كان يمر به إلا أنه جعل يحمسهما ويرفع من معنويتهما، فهما بنظر عياد حديثي الإعتقال، ولا يريد لهما أن يضعفا.

ما بين عوفر وعسقلان، ظل عياد يتنقل بين تعذيب جسدي ونفسي، فجلس (17) يوماً على مقعد لم يتحرك منه، كان التحقيق بحسب وصفه يشبه التحقيق العسكري، من ضرب بالفلقة على قدميه إلى رفعه بواسطة خشبة من خلال يديه، إلى سيل الاتهامات والتهديدات والضغط النفسي.

في العودة إلى عوفر التقى عياد بشقيقيه أحمد (20 عاماً) وخليل (22 عاماً) الذين كانا قد اُعتقلا بوقت سابق، يقول "كنت شبه عاجز عن رفع ظهري، فأخذا يعالجانني وقد أنهكت جسدياً بشكلٍ كامل"، أضاف – عياد مكملاً - أن مخابرات الإحتلال حكمتني أربعة أشهر إدارياً قابلة للتجديد، وفي هذه الظروف..

تزامنت الأحداث مع تلقي القسم خبر حكم بلال كايد - الذي كان قد أنهى وقتها فترة محكوميته (14) عاماً ونصف العام - ستة أشهر إدارية قبل مغادرته، وهنا يلفت عياد "أن بلال وكذلك بقية الرفاق في الأسر، خشوا إذا مر القرار على بلال فسيطبق على الحركة الأسيرة أجمع، حينها تأججت مشاعر الأسرى جميعاً، وشعرنا بحجم الظلم والقهر الذي نتعرض له".

في تلك اللحظة، بينما كان عياد متربعاً بين شقيقيه أحمد وخليل، في غرفة (8 )بقسم (15 )في عوفر، أفشى لهما عن تصميمه خوض الإضراب، لتبدأ دموع الشوق والخوف تذرف وتنفجر، يروي عياد كيف حاول أن يطبطب عليهم ويحفزهم ويوصيهم بالأهل، وعند لحظة الوداع للإنتقال إلى العزل الإنفرادي جعلا يحتضناني ويقبلاني، وانهمرت دموعنا ، وشرعوا يرددون لشد أزره عبارات مثل :"هيهات منا الذِلَّة" و"نحن لا ننهزم ننتصر أو نموت".

وهكذا خضت إضراباً – عياد مكملاً - دعمي الوحيد الأم التي تاضمنت بالإضراب والشقيقين، في الوقت الذي حاول فيه الإحتلال الضغط عليه عن طريق إدخال شقيقيه واحد تلوا الآخر، بالإضافة إلى إدخال وجبات يتناولها الضباط بجانبه، وهو في مشفى أساف هروفيه.

يروي عياد كيف ثبت نفسه بذكر الله والإبتهالات وترديد الأناشيد والعبارات الوطنية، لدرجة أنه مرت أيام لم ينم فيها ليلاً ولا نهاراً، إلى أن جاء في اليوم الخامس والأربعين "الكابتن عقل" -يتبع للإستخبارات الإسرائيلية- يعرض على عياد (3) أعوام كصفقة لإنهاء إضرابه، يقول عياد "كنت وقتها فاقداً للنطق مكبلاً في إحدى القدمين واليدين، وكتبت حينها باليد الفالتة على ورقة: ذهب من جسدي الكثير.. فإما قرار بالمغادرة أو الشهادة".

 بعدها أتت المحامية أحلام حداد تحمل بشرى الإتفاق أن ثبتعلى 4 أشهر، وأن الاستخبارات كان يناور لكسر إضرابه وفرض شروطه،

"كان طعم الحرية جميلًا، كان أحلى، كان له مذاق ورائحة وأكثر، كان عيداً وأجمل"، عياد يصف حريته.