منال الزعبي - النجاح - في الحديث عن الأسرى ندخل مدرسة أحرار، لتلوح رايات الشرف والحرية من جبين الأسيرات تحديدًا، قصصهن نشيد وطني ينحني أمامه العالم ، جروح تسيل وجعًا، صرخات مكبوتة في غياب المعتصم، وموت الضمير الساكت عن الحق.

عبلة العدم.. إحدى الأسيرات تبلغ من العمر (47) عامًا، من سكان بيت أولا، قضاء مدينة الخليل، أم لتسعة أبناء، وخمس بناتٍ، وأربعة أولاد أكبرهم (30) عامًا وأصغرهم خمسة أعوام.

يروي زوجها  لـ"النجاح الإخباري" قصة غيابها في (18/12/2015): "هي ربة البيت وعموده الفقري الذي كسره الاحتلال، كانت عبلة تعاني آلامًا في رقبتها فذهبت لإجراء صورة طبقية في مستشفى عالية في الخليل".

مزعجة آلام الرقبة لكنَّها أخف بكثير مما كان ينتظر عبلة الأم، التي في مرورها أمام المتاجر لابد أن تتفقد احتياجات بيتها وأولادها، تشتري ما يلزم على عجل، تسابق خطواتها لتُعّدَ لهم الطعام.

يتابع زوجها القصة بألم وغصَّة رجف لها صوته: " نزلت عبلة إلى باب الزاوية لتستقل سيارة، وانقبض قلبها أمام المواجهات التي دارت هناك بين الشبان وجنود الاحتلال، أحسَّت بالخوف، وهي تنظر لذلك الجندي المعلَّق على برج، لكنَّها ما درت أنّهم سيقنصون حواسها الواحدة تلو الأخرى.

رمته بنظرة فرماها رصاصة أفقدتها البصر، وقعت مغشيًا عليها لينهال عليها الجنود ضربًا بأسلحتهم وأقدامهم، رغم إصابتها ونزيفها المستمر، كسروا فكَّها العلوي والسفلي، كسروا أنفها، ثمَّ انكتمت الأصوات إذ فقدت سمعها إثر إصابة في الأذن، وشروخ في عدد من الفقرات نتيجة تعرضها للضرب في منطقة الظهر.

نصف ساعة كاملة مرَّت قبل أن تحضر سيارة الإسعاف."

 نُقلت الأسيرة الجريحة عبلة العدم إلى مستشفى هداسا، في مدينة القدس، وأجريت لها بعض العمليات، وما هي إلا أيام قليلة حتى نقلها الاحتلال إلى سجن الشارون، رغم وضعها الصحي الصعب.

 وبعد مصادرة الحواس، وغرس الآلام والكسور التي لن تُجبر، حُكِمَ عليها بالسجن ثلاث سنوات، أيُّ خطر تشكِّله تلك الأسيرة على قوات الاحتلال المدجَّجة بالغطرسة والسلاح؟".

ويتردد صدى أوجاع  الأم بصدر ابنتها الكبرى، إسلام التي أجَّلت تعليمها الجامعي لترعى إخوتها.

عبلة الأم والثورة، دم، وحزن وجرح وألم، بين العتمة والظلم، تعاني الإهمال الطبي المتعمد بحقِّها في السجن، وتنتظر تحقيق الوعود بإجراء العمليات اللازمة التي تعيد لها شبه حياة.

وتتأمل العائلة حكم الإفراج المنتظر في الخامس والعشرين من تشرين الأوَّل لهذا العام، هذا الإفراج الذي وإن أعاد عبلة إلى حضن عائلتها، فلن يعيد لها صحَّتها ونفسيتها ولن يزيح شبح الآلام عنها.

الأسيرات والمعاناة

الاحتلال الإسرائيلي الذي وضع المرأة الفلسطينية في دائرة الاستهداف المباشر، أما بالقتل أو الأسر أو التشريد والإبعاد، شأنها شأن باقي مكونات المجتمع الفلسطيني الذي يعاني من هذا الاحتلال، ولا يراعي أي قوانين دولية أو حقوق إنسان في التعامل مع الإنسان الفلسطيني بشكل عام والمرأة بشكل خاص مخالفا بذلك كافة المواثيق والأعراف الدولية.

وبخصوص وضع الأسيرات في سجون الاحتلال قال قدورة فارس، رئيس نادي الأسير: "الوضع صعب جدًا في السجون، ويصبح أصعب عند الحديث عن الأسيرات لعدة اعتبارات،  (63) أسيرة يقبعن في سجنين، تتم السيطرة عليهن من قبل ادارة السجون بطريقة أسهل وأسرع، وتداعيات أي تصعيد من جانب الإدارة لن تكون ذات مردود كبير، هناك أسيرات مريضات ومنهن جريحات أصبن قبل الاعتقال، ومنهن الأمهات اللواتي تركن أطفالهن، ويعانين الآلام الجسدية والنفسيَّة".

وأضاف فارس: "وجود المريضات والمصابات يؤثر على كل الأسيرات مايزيد شعورهن بالقهر والألم، ولا تتوفر أدنى الاحتياجات ولا تراعى خصوصياتهن".

ويوَضِّح قدورة فارس أنَّ معاناة الأسيرات تتفاقم وأن تنقلهن يشكِّل عدم استقرار ويرتب مسؤولية وضغطًا على الوضع النفسي على المحكومات أحكام عالية.

ويؤكِّد أنَّ الوضع سيء جدًا في  ظلِّ حكومة يمينية متطرفة، وتشريعات متطرفة، وسياسات متطرفة، ما خلق بيئة مهلكة للأسرى بشكل عام والأسيرات بشكل خاص.

(63) أسيرة بينهن (21) أما، و(8) قاصرات يعانين الاقتحامات الليلية، والتفتيش العاري، ومنع الزيارة، والعزل الانفرادي، وحرمان الأم من ابنائها، والتحقيق القاسي، والتهديدات التي تواجهها، والموت الممنهج بمنع تقديم الرعاية والعلاج الصحي وملاحقة الاسيرات ما بعد الإفراج والحرمان من حرية التنقل والاقامة المنزلية.

بيوم الأسير فعاليات ومطالب

ودعت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير جماهير شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات، بالوقوف بجانب الأسرى والمشاركة الفاعلة في فعاليات احياء يوم الأسير الفلسطيني، كما وتدعو كافة الشقاء العرب والأصدقاء والأحرار في العالم أجمع بالتحرك لنصرة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والوقوف إلى جانبهم في مواجهة المحتل وممارساته التعسفية، وتوفير الحماية الدولية للأسرى والمعتقلين، وإلزام إسرائيل باحترام قواعد القانون الدَّولي والانساني بالتعامل مع المعتقلين، والتأكيد على حقوق الأسرى باعتبارهم مناضلين من أجل الحرية.

وطالبت المجتمع الدولي بمؤسساته المختلفة الى ضرورة تفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة تجاه مقترفي الانتهاكات، فغياب المحاسبة يعتبر من العوامل الأساسية التي تشجع دولة الاحتلال على التمادي في جرائمها.

(22) أُمًّا تغلق عليهن أبواب مدافن الأحياء، وعلى عائلاتهن أبواب الانتظار.

ثقيلٌ هذا الأسر وهذا الظلم على قلوب رقيقاتٍ وماجداتٍ يقضين أعمارهن في سجون الاحتلال قسراً، ثقيلٌ على حفنةٍ من الصغار تسكن بيوتًا بلا روح بعد أن كانت شعلةً من الحنان والمحبة.