وكالات - النجاح - في الكفاح من أجل البقاء سالماً والتكيف مع حقائق الواقع الجديدة التي تم إجبارنا على قبولها، يمكن بسهولة أن ننسى أن جائحة فيروس كورونا لا تمثل مجرد تحدياَ للوجود اليومي للأفراد ولكنها تعد فصلاَ في تاريخ الإنسانية.

وهذا الفصل هو ما تسعى المتاحف الأمريكية لإدراجه في معروضاتها.

ففي ولاية إلينوي الكائنة في منتصف الغرب الأمريكي بما فيها شيكاغو أكبر مدينة فيها، بدأت المتاحف بالفعل تطلب من السكان توثيق تجاربهم المتعلقة بجائحة كورونا التي أثارت موجة من الفوضى وأصابت مجموعات من الأفراد بمجتمعهم بالمرض. 

وتقول المشرفة على قسم التاريخ بمتحف ولاية ألينوي بمدينة سبرينجفيلد عاصمة الولاية، إريكا هولست: "إن هذه المبادرة تنبع من إدراك أننا نمر بحدث تاريخي، ونحن نريد الخروج من أجنحة المتحف إلى وقائع هذا الحدث، والبدء في تجميعها وحفظها لتطلع عليها الأجيال القادمة".

وفي الأسبوع الماضي دعا متحفها - مثلما فعل متحف "نابير ستلمنت" الكائن بضاحبة نابرفيل، ومثلما يعتزم متحف شيكاغو للتاريخ فعله - إلى تبني مبادرة عنوانها "شارك بقصتك : إلينوي وسط جائحة كوفيد19-".

وينصح متحف الولاية عند دعوته الأفراد الآن لأن يشاركوا في المبادرة، بمحتوى رقمي من التجارب التي مرت بهم وسط ظروف الجائحة، قائلا : "لا تقلق بشأن ما إذا كانت تجربتك المتعلقة بالجائحة قد تبدو تافهة، ثق بنا، فسيكون هناك شخص ما في المستقبل مهتماً بمعرفة أن المتاجر ذات يوم نفد منها ورق التواليت، وأيضاً معرفة شعورك نحو هذا الوضع".

وتضيف هولست "شاهد كل شخص أنماط الحياة التي يعهدها وهي تختفي منذ بضعة أسابيع، وصرنا معتادين على هذا التطور الجديد الذي بات طبيعيا بالنسبة لنا، ونحن نشعر بالقلق والحزن، وربما شعرنا بأن المستقبل يحمل إلينا بعض الأمل، ونحن نريد أن نرى كيف يبدو ذلك في نظر الناس".

وكانت إحدى التجارب المعاشة التي تم التقدم بها مبكراً، ولفتت أنظار المشرفين على المتحف وفقاً لما قالته هولست ،هي صورة التقطتها عدسة امرأة في سبرينجفيلد لنوع خاص للغاية من الكعك بمتجر بقالة محلي.

وأوضحت هولست أن المرأة التقطت صورة كعك على شكل بكر ورق التواليت بمتجر محلي للبقالة، ويبعث هذا الشكل الطريف للكعك مشاعر المرح ويحرك العواطف، ومتجر البقالة هذا كان يهدف لإثارة جو من الدعابة، حيث لم يكن لديه أي مخزون من ورق التواليت، ومن هنا فإن توثيق هذه الصورة له أهميته، فلولا وجودها لما عرف أحد من الأجيال التالية أن نقص ورق التواليت سبب مشكلة في وقت ما.

وكتبت المرأة تقول معلقة على تجربتها الذي قدمتها على الموقع الإليكتروني للمتحف "أنا التقطت هذه الصورة لأن شكل الكعك يبعث على الضحك، وأيضا لأنه أمر مثير للدهشة أن العثور على سلعة واحدة، ليس لها علاقة حتى مع أعراض كورونا المستجد قد أثر على الولايات المتحدة بأكملها". ومضت هولست قائلة إن امرأة أخرى أرسلت صورة لثلاجتها المليئة بالأطعمة، وهي صورة لا تبدو أنها معبرة عن شيء إلى أن تقرأ قصتها المصاحبة، حول جارة لها تعاني من مصاعب مالية وثلاجتها خالية من الطعام".

و قالت المشرفة على المتحف "نحن نريد أن نرى صوراً للكمامة التي تصنعها في بيتك، ونريد أيضا صوراً تبين جهاز الكشف عن العدوى بالفيروس، هذا في حالة ما إذا كان أحد قد شاهده".

وأضافت "عند التفكير كمؤرخة، سيتم في المتحف حفظ أعداد المصابين، وهذا يمكننا من معرفة العدد الإجمالي للمرضى والمتوفين بعد انتهاء الجائحة، غير أننا نريد حقيقة أن نتعرف من خلال التجارب على كيفية الإحساس بأن تكون أبا خلال هذه الأزمة، والإحساس بأن تكون معلماً لتلاميذ يجلسون في المنازل".

وثمة مبادرة مماثلة في متحف "نابر سيتلمنت" التاريخي الكائن بضاحية نابرفيل غربي شيكاغو، وهي ضاحية بها مبان رائعة وحرم جامعي.

وتقول مديرة المتحف، رينا تامايو كالابريزي، إنه يوجد في فناء المتحف ما يطلق عليه "الجمع السريع للتجارب والاستجابات"، وهو مصطلح فني ومنهاج للبحث.

وتطلب "مبادرة نابرفيل : 2020 جمع التجارب عن الجائحة" من سكان ضاحية نابرفيل وما حولها من تجمعات سكانية، التقدم بطرح كتابات وصور، وتقديم في وقت لاحق عندما تصبح الظروف آمنة قطع فنية مادية، كما توجد مبادرة موازية يطلق عليها "دوريات نابر" لتشجيع الناس على تسجيل وطرح أفكارهم ومشاعرهم في اللحظة الراهنة.

وتعلق تامايو كالابريزي قائلة " أحد أكبر الأسئلة التي يساعدنا التاريخ على إيجاد إجابات لها، هو كيف تؤثر التغيرات الحياتية الكبرى في كينونتنا الإنسانية وفي الحال الذي سنصير إليه، مع توضيح السبب في ذلك، وعندما يكتب الناس معبرين عن أفكارهم وتكون هذه هي كلماتهم ومقاطع الفيديو التي يصورونها، ستكون لدينا موارد أساسية لمن يأتي بعدنا في المستقبل".

ويعمل متحف شيكاغو للتاريخ لدفع مبادرة مماثلة، ويقول نائب رئيس قسم الترجمة والتعليم بالمتحف، جون راسيك: "نحن نريد أن نعلم الطرق التي يستقبل بها الجمهور ويفهم بها تأثير أحداث الجائحة، وفِي نهاية اليوم تصبح هذه الإطروحات تجربة إنسانية تماماً، ونأمل أن نتشارك في كيفية تعايش الناس مع هذه الأزمة، وما هي التحديات واللحظات شديدة الألم التي مروا بها، وما هي الوسائل التي يواجه بها الناس الأزمة".