النجاح الإخباري - بات الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الملفات التي تشغل البنوك المركزية حول العالم، في ظل تنامي الجدل بشأن تأثيراته المحتملة على أسواق العمل والإنتاجية والتضخم ومسار السياسات النقدية خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، استحوذ الذكاء الاصطناعي على جانب كبير من النقاشات خلال مؤتمر ريكيافيك الاقتصادي في آيسلندا هذا الأسبوع، رغم غيابه عن جدول الأعمال الرسمي، إذ عاد محافظو البنوك المركزية مرارًا إلى مناقشة تداعياته الاقتصادية وآفاقه المستقبلية.

رهان على رفع الإنتاجية

قدم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز واحدة من أكثر الرؤى تفاؤلًا، معتبرًا أن التجارب الاقتصادية السابقة أظهرت قدرة الاقتصادات على استيعاب التحولات التكنولوجية الكبرى وتحقيق قفزات في الإنتاجية دون التسبب في بطالة هيكلية طويلة الأمد.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تحسين مستويات المعيشة ورفع كفاءة الاقتصاد، مؤكدًا أنه لا يتوقع أن يؤدي إلى استبدال واسع النطاق للوظائف على المدى البعيد.

وتكتسب هذه التقديرات أهمية خاصة في الولايات المتحدة، التي تتصدر الاستثمارات العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث يرى بعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن مكاسب الإنتاجية المحتملة قد تمنح صناع القرار مساحة أوسع للحفاظ على مستويات فائدة أقل مستقبلًا.

مخاوف تضخمية متزايدة

في المقابل، حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس ألبرتو موسالم من أن الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي تفرض بالفعل ضغوطًا تضخمية، نتيجة الارتفاع الكبير في الطلب على مراكز البيانات والطاقة الكهربائية ورقائق الذاكرة، إلى جانب الصعود القوي لأسهم شركات التكنولوجيا.

وأكد أن التعويل على مكاسب إنتاجية مستقبلية لاحتواء التضخم ينطوي على قدر من المخاطرة، مشيرًا إلى أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي لم تنعكس حتى الآن بصورة واضحة على بيانات الإنتاجية الكلية.

سوق العمل تحت المراقبة

واحتلت تداعيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل مساحة واسعة من النقاشات، وسط تساؤلات حول قدرته على استبدال العمالة البشرية أو إعادة تشكيل طبيعة الوظائف.

وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيفري شميد إن البيانات الحالية لا تشير إلى استبدال واسع للعمال بالذكاء الاصطناعي، لكنها توحي بتأثير متزايد لهذه التقنيات على قرارات التوظيف الجديدة.

وأضاف أن تباطؤ التوظيف خلال العام الماضي شمل معظم القطاعات، بغض النظر عن مستوى اعتمادها على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى وجود عوامل اقتصادية أوسع وراء هذا التراجع.

 البنوك المركزية توظف الذكاء الاصطناعي

ولا يقتصر اهتمام البنوك المركزية على دراسة آثار الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى استخدامه داخل مؤسساتها.

وكشف محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي أن لجنة السياسة النقدية تستعين بنماذج لغوية متقدمة لتحليل تفاعل الأسواق مع محاضر الاجتماعات والرسائل الصادرة عن البنك المركزي، بما يساعد على استشراف ردود الفعل المحتملة قبل نشر القرارات الرسمية.

وأشار إلى أن استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل البنوك المركزية تتوسع لتشمل البرمجة والنمذجة الاقتصادية وتحليل البيانات.

عامل مؤثر في الاقتصاد العالمي

ويعكس الاهتمام المتزايد من قبل البنوك المركزية إدراكًا متناميًا للدور الذي قد يلعبه الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، أكد محافظ البنك المركزي الإيطالي فابيو بانيتا أن هذه التكنولوجيا قد ترفع إنتاجية الاقتصاد بما يصل إلى نقطة مئوية كاملة في السيناريوهات الأكثر تفاؤلًا، ما قد يساعد في تعويض آثار تراجع أعداد السكان في سن العمل ودعم النمو الاقتصادي المستدام.

وبين التفاؤل بإمكانات رفع الإنتاجية وتحفيز النمو، والمخاوف من الضغوط التضخمية والتغيرات المحتملة في سوق العمل، يواصل الذكاء الاصطناعي فرض نفسه كأحد أهم الملفات التي تراقبها البنوك المركزية عند رسم سياساتها الاقتصادية والنقدية للمستقبل.