النجاح الإخباري - كتب د. سائد الخياط :
ليس كل ما يؤهلك لدخول الجامعة… يؤهلك لدخول المستقبل.
بعد أيام ستنطلق أكبر عملية لاختيار مستقبل آلاف الشباب... لكنها في كثير من الأحيان تُدار وكأنها سباق معدلات لا سباق حياة.
أي جامعة؟
أي تخصص؟
وأي لقب؟
لكن السؤال الذي يجب أن يسبقها جميعًا هو:
إلى أين يقود هذا المقعد؟
لقد أقنعنا أبناءنا أن أصعب معركة هي دخول الجامعة، ثم اكتشف كثيرون أن المعركة الحقيقية تبدأ عند بوابة الخروج.
فالجامعة تستطيع أن تمنحك شهادة...
لكنها لا تستطيع أن تخلق لك اقتصادًا يحتاج إليها.
ثم نسمع العبارة المستهلكة: «مواءمة التعليم مع سوق العمل».
أي مواءمة هذه إذا كانت البرامج الأكاديمية تتكاثر أسرع من الوظائف، وتُفتح تخصصات جديدة قبل أن يُسأل سؤال واحد: من سيحتاج هؤلاء الخريجين بعد خمس سنوات؟
أسهل قرار في هذا البلد هو افتتاح تخصص جامعي… وأصعب قرار هو خلق وظيفة واحدة لخريجه.
والمشكلة لا تقف عند وزارة أو جامعة.
فنحن نطلب من الطالب أن يختار تخصصًا يناسب سوق العمل، بينما سوق العمل نفسه يضيق عامًا بعد عام.
اقتصاد تراجعت فيه الصناعة، وأُغلقت فيه مصانع، وضعف فيه القطاع الخاص، واتسعت فيه دائرة الاستيراد والوكالات، حتى أصبحت المالية العامة رهينة المقاصة وأزماتها.
ثم نطلب من هذا الاقتصاد أن يستوعب آلاف الخريجين كل عام... وكأننا نُخرّج شبابًا لاقتصادٍ لم نترك له فرصة لينمو.
وحين يعجز، لا نحاسب السياسات التي أضعفت الإنتاج، ولا الجهات التي فتحت التخصصات بلا حساب؛ بل نحاسب الطالب لأنه «اختار خطأ».
حتى الطب وطب الأسنان، اللذان ما زالت أسر كثيرة تنظر إليهما بعين القرن الماضي، لم يعودا عقد أمان.
فالطريق لا ينتهي بالشهادة، بل يبدأ منها، بينما المقاعد في الامتياز والإقامة والتخصص أقل بكثير من أعداد الطامحين.
ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع كلمة «دكتور» كأنها عقد عمل.
لا تتركوا هوس الطب لتقعوا غدًا في هوس الذكاء الاصطناعي.
اتركوا هوس الألقاب كله.
ابحثوا عن مجال يناسب قدرات الطالب، ويمنحه مهارة يحتاج إليها سوق حقيقي، ويمكن أن يبني منها دخلًا داخل فلسطين أو خارجها.
فنحن لسنا في أزمة اختيار تخصص... نحن في أزمة تخريج أجيال لاقتصاد لم يعد موجودًا، بينما الاقتصاد الذي يتشكل أمامنا لا يزال خارج حساباتنا.
وقبل أن توقّعوا طلب الالتحاق بالجامعة... توقّفوا لحظة، واسألوا سؤالًا واحدًا:
هل اخترنا تخصصًا... أم اخترنا مستقبلًا؟
قد يستغرق القرار ساعة... لكن قد تعيش نتائجه ثلاثين عامًا.