عبد المجيد سويلم - النجاح - لم يجد عبد الفتاح البرهان مفراً من «التراجع» قليلاً، ومحاولة الظهور بمظهر من هو مستعد لإبداء «المرونة» المطلوبة لمواجهة الضغوط الداخلية، التي تحولت إلى أخطار قد تؤدي إلى سقوط وانهيار الحكم العسكري، وتلك الخارجية، وخصوصاً الأميركية والأوروبية، وحتى الإفريقية والتي اعتبرت عودة حمدوك هي مفتاح الحل الوحيد، والمدخل «المناسب» لعودة السودان إلى المسار الانتقالي بالشراكة ما بين المكون العسكري والمدني على حد سواء.
عاد حمدوك إلى منصبه، وتم إطلاق سراح المعتقلين، وسيتم بكل تأكيد تشكيل حكومة من التكنوقراط وبما «يوحي» وكأن عسكر السودان قد «رضخوا» للضغوط واستجابوا لها.
الحقيقة أن شيئاً ما لم يحدث، ولن يحدث أبداً.
كل ما حصل هو أن عودة «الشراكة» بين المكونين قد باتت مشروطة بسيطرة البرهان على مقاليد الحكم في السودان، وبحيث تتحول «الحكومة» إلى جهاز الدولة من موقع الرضوخ لتلك السيطرة.
فما دام المجلس السيادي الانقلابي هو على حاله، وما دام حمدوك قد قبل بأن تكون الحكومة غير سياسية حسب كل المصادر، وما دام أن «الشراكة» الجديدة ليست مؤسسة على آليات ملموسة وإلزامية تضمن الذهاب قدماً في تطبيق الوثيقة الدستورية، وتؤمّن الوصول إلى الانتقال إلى حكومة وطنية مدنية منتخبة، فإن كل ما حصل فعلا ليس سوى مناورة سياسية.
الاتفاق الجديد لا يتضمن أي جديد حقيقي لأن البرهان لم يكن ضد الوثيقة الدستورية، وهو عاد إلى الوثيقة واعترف بها كمرجعية بعد الإطاحة بالحكومة وبعد أن تم تشكيل المجلس السيادي الجديد، والذي هو الحاكم الفعلي للبلاد، وهو عنوان الانقلاب الجديد.
الحقيقة أن الذي جرى هو صفقة لتحييد القوى السياسية الفاعلة والحية وتهميشها، ووضع هذه القوى أمام «الأمر الواقع الجديد» والذي يتمثل بـ»ضبط» المسار الانتقالي وفق إيقاع مجلس السيادة الجديد، وتحويل صلاحيات «الحكومة» إلى جهاز تنفيذي «فني» لا يمكن له أن يغير شيئاً جوهرياً في هذا المسار.
«الجديد» المضحك في الصفقة الجديدة هو إلغاء القرار بإعفاء حمدوك من مهامه كرئيس للوزراء، وبالتالي إفساح المجال للعودة إلى رئاسة الحكومة، وإظهار الأمر وكأنه إنجاز كبير.
حتى القرار بإطلاق سراح المعتقلين بدا وكأنه «تراجع» آخر كبير، وهو ما يعكس تواضع هذا التراجع إلى أبعد الحدود.
الانقسام الذي شهدناه مباشرة بعد الانقلاب لا يزال على حاله، والقوى السياسية المدنية  والحزبية الفاعلة والحية ما زالت ضد الانقلاب وضد هذه الصفقة الجديدة، وأما القوى التي ستوافق على هذه الصفقة فهي نفس القوى التي وافقت على إجراءات البرهان، وهي نفس القوى التي تدعم توجهاته الجديدة بإحكام السيطرة الكاملة على الحكم، والتحكم بكامل المسار الانتقالي.
وكل الحديث عن أن الأمور قد انفرجت، وأن الحوار سيؤسس لاتفاقات وتوافقات وشراكات وطنية «لتأمين» الانتقال إلى الديمقراطية «المستدامة» في السودان هو كلام فارغ.
مع من ستتم هذه الاتفاقات والتوافقات والشراكات؟ فطالما أن القوى التي انسلخت عن «الحرية والتغيير» قد أيدت الانقلاب، وهي الوحيدة تقريبا التي تجاهر بدعم الانقلاب، وهي لا تمثل في الواقع وعلى الأرض سوى بعض النخب، وليس لها على الأرض التأثير الجدي، فلا يبقى مع الانقلابيين سوى حمدوك والذي لم يعد يمثل قوى الحرية والتغيير، لأن الوثيقة الدستورية تحدد أن تسمية رئيس الوزراء تعود لقوى الحرية والتغيير، وليس لأي قوى أخرى.
الطريقة التي تم «إخراج» هذه الصفقة بها تشي باحتمالين لا ثالث لهما:
فإما أن البرهان بالاتفاق مع إسرائيل قد «طبخ» الانقلاب، واتفق مع حمدوك على ذلك، وان هذه «الصفقة» هي مجرد مسرحية سياسية تهدف إلى تهميش القوى السياسية وتحييد دورها في هذه المرحلة الحساسة، لكي يعود إلى سدة الحكم متحررا منها، وخصوصا في الشأن التطبيعي، وفي شأن مخاطر الوضع في شرق البلاد، وربما في شؤون أخرى لم يتم الإعلان عنها بعد، أو الاتفاق مع حمدوك قد تم بعد الانقلاب الأخير، وتم إقناعه به بضمان عودته إلى رئاسة الحكومة و»التحرر» من ضغوط القوى السياسية عليه، سواء عبر استبعاد هذه القوى من دائرة التأثير السياسي المباشر عليه، أو عبر اقتصار إعفاء الحكومة على الطابع المستقل، والتكنوقراطي الخالص الذي ينسجم مع المهام التي حددها الانقلابيون للحكومة من مكانة ودور في النظام السياسي.
وفي النتيجة ليس ثمة فرق جوهري في الحالتين.
الآن، ستعود الولايات المتحدة للحديث عن انتصار «إرادة» الشعب السوداني، وسيبدو البرهان وكأنه رجل العقلانية والواقعية، بل وحتى الوطنية، كما سيبدو حمدوك وكأنه الممثل الأهم للمكون المدني من الحالة السودانية!
وستعود المساعدات، والعرب سيقفون مع البرهان، ومع حكومة حمدوك، بل وليس مستبعداً أبداً أن تنهال المساعدات «الجديدة» على السودان، ويبدأ العرب من كل أنواع العرب بالحجيج السياسي إلى الخرطوم.
من المؤكد أن هذه الصفقة ستؤثر مؤقتاً على اندفاع الشارع السياسي للمواجهة مع «النظام الجديد»، كما لا يستبعد أيضاً أن يحاول «البرهان» استمالة بعض القوى سواء من حزب الأمة، أو بعض القوى والمؤسسات الاجتماعية لكي يصورها باعتبارها «رافداً» من روافد المجتمع المدني السوداني، وباعتبارها انعكاسا لموقف الشارع السوداني الداعم «للصلحة» السياسية التي تمت في السودان.
كل هذا ممكن مؤقتاً، ولكن القوى السياسية الحية في السودان، والتي لديها تجربة غنية في مقارعة القوى العسكرتارية على مدى التاريخ السوداني الحديث، ومنذ العام 1964، وهي تختبر الانقلابات العسكرية وتحول معظم القائمين عليها إلى الديكتاتوريا السافرة.. تعرف هذه القوى كيف تدافع عن ثورتها، وهي لن تسمح لحكم البرهان بالنوم الهادئ مطلقاً.
ليس هذا فقط وإنما بات من المرجح أن تعيد المعارضة تنظيم نفسها من جديد، وأن تعاود مسار إسقاط الانقلابيين في أسرع مما يتصور البرهان.