نابلس - عبد المجيد سويلم - النجاح - لا أعرف مدى معرفة المجتمع الفلسطيني ومتابعته للكمّ الهائل من السلاح الذي ينتشر في التجمعات الفلسطينية في طول البلاد وعرضها، ومن أقصى شمالها إلى آخر متر في جنوبها.
لكن الشيء الأكيد، والذي تثبته الوقائع على الأرض، هو أن هذا السلاح مريب ومشبوه في غالبية الأحوال، وانتشاره بهذه الكثافة، وبالنوعية التي تجاوزت ما يعرف بالسلاح الفردي بمراحل «متقدمة» حتى أن بعض الأوساط تتحدث عن أسلحة تصنف «بالمتوسطة»، وذلك حسب ما رأينا وتابعنا هذا السلاح في التظاهرات والاستعراضات التي بثت على الهواء مباشرة في عدة «مناسبات»، وفي مختلف المدن والقرى والمخيمات والتجمعات الفلسطينية.. أصبح خطراً محدقاً بنا.
أما الشيء الأكيد الآخر، فإن استخدام هذا الكمّ الهائل من السلاح نادراً، أو قلّما ما كان في مواجهة جيش الاحتلال ومستوطنيه، في حين أن هذا الاستخدام كان طاغياً في معارك واشتباكات داخلية، أحياناً «سياسية» وغالباً عشائرية أو حمائلية أو جهوية أو ما شابه ذلك من مظاهر اجتماعية، كالثأر أو الانتقام، أو «غسل العار»، حسب بعض المفاهيم الاجتماعية البائدة.
يضاف إلى ذلك فإن أسعار هذه الأسلحة تعتبر بكل المقاييس باهظة الثمن وتفوق بكثير القدرات المالية لمن يقتنونها ويكدسونها ويواصلون البحث عن المزيد منها.
ليس هذا فحسب، فهناك من الإحصائيات ما هو صادم عن عمليات قتل تتم أحياناً، وتتوسع وتمتد لأتفه الأسباب، بما في ذلك الشجارات حول «موقف سيارة»، أو «أولوية المرور» أو عدة أمتار من الأرض وغيرها وغيرها والقائمة تطول وتطول.
 أما الأوجه الأخرى لخطر وشبهة انتشار السلاح في المجتمع الفلسطيني، وكما «فضحتها» مصادر إسرائيلية حول هذه الظاهرة في الداخل الفلسطيني فتتجاوز «الأبعاد الاجتماعية» لكي تستقر في النطاق السياسي المباشر.
ففي معرض «تبرير» تقصير الشرطة الإسرائيلية في التصدي للعنف الذي انتشر بصورة مخيفة في السنوات الأخيرة، أكدت هذه المصادر أن هذا التصدي غير متاح واقعياً لأن الأوساط الأمنية الإسرائيلية نفسها «ترعى» هذا الانتشار وتشجعه، وتتغافل عن عمد وسابق إصرار عن عصابات الإجرام هناك، بل إن هذه الأوساط «توظف» هذه العصابات لأهدافها السياسية.
ويسود اعتقاد في الضفة الغربية حسب مصادر عديدة أن ثمة من «يكوّن» لنفسه «تشكيلات» ميليشوية مسلحة استعداداً لمراحل قادمة في الصراع على النفوذ السياسي الذي يتداخل مع الأبعاد الاجتماعية الجهوية والمناطقية والعشائرية، والتي تضرب الوطنية الفلسطينية في مقتل معروف للجميع.
فإذا كانت الأوساط الأمنية الإسرائيلية ترعى ظاهرة انتشار الأسلحة في الداخل الفلسطيني بهدف ضرب وحدته وتفتيت قواه، ومنعه من مواصلة بناء ذاته الوطنية، فهل يعقل أن تكون إسرائيل «بعيدة» عن انتشار السلاح، وعن أشكال استخدامه، وعن التخطيط لكي يتحول هذا السلاح في التوقيت الإسرائيلي «المناسب» إلى تدمير ما تبقى من هذا البناء الوطني في الضفة والقدس، بعد ان «اطمأنت» إلى ما «أنتجه» هذا السلاح في القطاع من انقلاب فانقسام فانفصال تعد له بصبر وروية ودهاء تدبير؟
لا يعقل، ولا يمكن، بل ويستحيل أن يتم هذا الانتشار في الضفة دون تخطيط اسرائيلي، ودون تحريض وتشجيع، وربما تحفيز اسرائيلي وذلك لأنها تعرف جيدا أن ضرب وحدة المجتمع هي السلاح الأقوى والأمضى لفرض المشروع الإسرائيلي على الأرض.
إسرائيل أيها السادة من قادة شعبنا وفصائله وقواه لا «تغرق» المجتمع الفلسطيني بهذا الكم المهول من السلاح جزافاً أو اعتباطاً، وهي تعرف حق المعرفة أن الأرضية المطلوبة «لانخراط» هذا السلاح في المخططات الإسرائيلية أما أنها جاهزة، أو هي في طور التجهيز، ولكي «تتكامل» مع الكثير الكثير من عوامل ومكونات هذه المخططات مثل التجويع والحصار والفقر والبطالة والقمع والفساد والهيمنة والاستئثار، وانعدام الإصلاح الحقيقي والافتقاد إلى الحدود الدنيا من العدالة الاجتماعية، وسلطة القضاء، وكبت الحريات، كلها عوامل تأمل سلطة الاحتلال بأن تتضافر مع مشاعر اللايقين السياسي، ومشهد البؤس الذي يظلل كامل هذا المشهد.
إسرائيل تعرف، وهي متيقنة بالكامل ان الانقسام قد قصم ظهر الشعب الفلسطيني، وان القوى السياسية الفلسطينية فقدت الكثير من حيويتها وزخمها، وتعرف أن المجتمع المدني أيضاً ليس في أحسن أحواله، وان إرادة التغيير بالمراجعة والنهوض والاستنهاض لم تعد هدفاً، وان جدول الأعمال الوطني بات جدولا فقيرا ومعيشيا اكثر منه كفاحيا حقيقيا، وان المصالح تتضارب، وتزداد الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتزداد حدة الاستقطاب بين أقطاب المجتمع لأسباب واعتبارات يمكن أن تكون أي شيء، أو كل شيء باستثناء أن تكون وطنية حقيقية.
هذا السلاح الذي شهدنا إحدى جولاته المهزلية والمأساوية قبل أيام قليلة في جامعة القدس، سنشهد له جولات جديدة في جامعات أخرى، وفي أماكن أخرى، وفي مناطق وتجمعات شهدنا بعض جولاتها، وفي مناطق جديدة لم نشهدها بعد.
لا يمكن إلا أن نرى كيف أن تقسيم المشهد الفلسطيني بين الانقسام السياسي، والانقسامات الاجتماعية، والآفات الاجتماعية، والإفقار المنظم بات يلزمه بالضرورة فوضى انتشار السلاح، وفوضى استخدام هذا السلاح، فوضى الانحيازات الاجتماعية، وفوضى الملاذات المجتمعية، وفوضى وفوضى من كل نوع وصنف، وشكل، وفوضى من جهات متداخلة تربك الحالة الوطنية كلها، وتعمل على تقويضها.
لا يمكن أن تتمكن أي سلطة في هذا العالم من الضبط الاجتماعي المشروع دون سلطة القانون، ودون الحصول على شرعية دستورية كافية، ودون أدنى مساومة حول وجود سلاح آخر في الشارع وبين الناس.
فكيف لسلطة مثل السلطة الوطنية أن تقوم بهذا الضبط وهي لا تملك السيادة الكافية، أو بالأحرى تفتقد لهذه السيادة على معظم المناطق الفلسطينية؟
وكيف لها أن تتمكن من ذلك وهي تعرف أن إسرائيل لن «تسمح» لها بالقيام بذلك إلا في حدود ثانوية، وبما لا يؤثر على المخططات الإسرائيلية حيال هذا الأمر.
لن تتمكن أن تقوم السلطة أبداً بذلك إلا إذا استندت إلى الحاضنة الشعبية والحاضنة الوطنية، وهي لن تتمكن من زج هذه الحاضنة في مواجهة مع المخططات الإسرائيلية إلا إذا أعادت بناء الذات الوطنية، وبدأت بصورة جادة وحقيقية بمراجعة كامل المسيرة والأداء، وأعادت بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية ووطنية فاعلة وفعلية، شرعية وكفاحية.
فوضى السلاح إنذار مبكر، وقد يكون هذا الإنذار قد تجاوز ذلك إلى إنذار متأخر أو أخير، وهو برسم كل القوى السياسية إذا أرادت أن تفعل شيئاً قبل فوات الأوان.